ضمنها التصعيد على إدلب.. "عراقيل" روسية أمام تفاهمات تركية أمريكية في سوريا

وزير الدفاع الأمريكي باتريك شانهان خلال استقباله نظيره التركي خلوصي آكار - أرشيف
الأربعاء 27 فبراير / شباط 2019

إعلان وزير الدفاع التركي خلوصي أكار، موافقة الجانب الأمريكي على تنفيذ "خارطة الطريق" المتعلقة بمدينة منبج، واستكمالها في أقرب وقت، يشير إلى تفاهمات أساسية تمت بين الطرفين التركي والأمريكي، ويدل على تخطيهما أهم العقبات الرئيسية التي تقف أمام تطبيق قرار الرئيس دونالد ترامب بالانسحاب من سوريا.

إلا أن هذه التفاهمات وفقاً لتحليل نشرته وكالة "الأناضول" التركية اليوم الأربعاء، تصطدم بمحاولات روسية لعرقلتها، وأبرزها التصعيد المتواصل على محافظة إدلب ومناطق يشملها اتفاق "خفض التصعيد" شمال سوريا.

الرئيس الأمريكي كان قد أعلن في 19 ديسمبر/ كانون الأول 2018، قراره سحب قوات بلاده من سوريا، بدون تحديد جدول زمني، حيث أحدث القرار زلزالا في دوائر الحكم في واشنطن، استقال على إثره وزير الدفاع جيمس ماتيس، ثم تبعه في الاستقالة ماك غورك قائد القوات الأمريكية في الحرب ضد "تنظيم الدولة"، الذي كان يعتبر الداعم الأساسي لميليشيات "وحدات حماية الشعب (ي ب ك)" الكردية.

رغم ذلك بقي ترامب مصراً على قراره بالانسحاب من سوريا، ومستمراً في التواصل وتبادل المشورة مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، خصوصا فيما يتعلق بموضوع ملء الفراغ الحاصل من انسحاب القوات الأمريكية من منبج ومنطقة شرق الفرات.

الطرف الأمريكي كان يهمه بالدرجة الأولى المحافظة على مكتسباته وقواعده العسكرية في منطقة شرق الفرات الاستراتيجية، وإيجاد توليفة مقبولة لمصير الميليشيات التي تحالفت معه في الحرب على "تنظيم الدولة".

من الواضح أن زيارة وزير الدفاع التركي لواشنطن ساهمت إلى حد كبير في ردم الهوة القائمة بين أنقرة وواشنطن بخصوص إدارة منطقة شرق الفرات بعد الانسحاب الأمريكي، حيث بدأت تظهر ملامح التفاهم بين الطرفين ولو بالخطوط العريضة حول بعض الملفات الشائكة والمعقدة بين الطرفين.

تصريح الرئيس ترامب مساء الجمعة، بأنه قرر الإبقاء على 400 جندي، كقوات حفظ سلام في سوريا، معتبرًا أن ذلك لا يعني تغييراً على ما أعلنه سابقًا، يؤكد التوصل إلى ثمة تفاهم بين أنقرة وواشنطن لم تتضح تفاصيله بعد، حول آلية إدارة منبج ومنطقة شرق الفرات.

الرؤية الأمريكية  

تحدثت صحيفة ملليت التركية عن خطة أميركية تحاول واشنطن اقناع أنقرة بها وترتكز على تشكيل إدارة جديدة وقوات دفاع مشتركة في منبج وشرق الفرات، على أن تتألف من 18 الف شخص ويكون 6 آلاف عنصر من هذه القوة من "بيشمركة روج" التي تم تدريبها على يد القوات الخاصة التابعة لحزب الاتحاد الوطني الكردستاني، حزب الرئيس السابق جلال طالباني، في إقليم شمال العراق.

أيضاً 10 آلاف عنصر مما يعرف بـ"قوات سوريا الديمقراطية"، التي تشكل "ي ب ك"، التي تصنفها أنقرة إرهابية، نواتها الرئيسية. ومجموعة من ألفي عنصر من القوات المحلية. لكن أنقرة تعترض على هذه التوليفة، وتعتبرها مكافأة للعناصر الإرهابية، التي تمثلها ميليشيات "ي ب ك"، بدلا من محاربتها وتطويقها وتحجيمها على أقل تقدير.

لكن التصريحات القادمة من واشنطن في الأيام الأخيرة حول استعدادها بحث المنطقة الآمنة مع تركيا تؤشر على ليونة في الموقف الأمريكي، وتفهم لهواجس أنقرة فيما يتعلق بأمنها القومي.

تركيا والمنطقة الآمنة

بدورها تشدد أنقرة وتؤكد على ضرورة إخلاء منبج من عناصر "ي ب ك" بأقرب وقت، وسحب الأسلحة منهم، وتسليم إدارة المدينة لأهلها، وعدم ترك فراغ في السلطة أثناء انسحاب القوات الأمريكية، بأي شكل من الأشكال، مقابل التزام تركيا بمكافحة جميع المنظمات الإرهابية دون انتقاء أو استثناء، وفي مقدمتها "تنظيم الدولة" و "ي ب ك" ومنظومة الكيان الموازي، جماعة "غولن" الإرهابية.

وترى أنقرة أن الحل الإنساني الوحيد الذي يؤمن الحماية للمدنيين السوريين هو المنطقة الآمنة داخل الأراضي السورية. لكن أطرافا في الملف السوري استبعدت فكرة المناطق العازلة أو المناطق الآمنة بحجج وذرائع مختلفة.

خلال الزيارة التي قام بها أخيرا وزير الدفاع التركي لواشنطن، أكد الجانب التركي لنظيره الأمريكي على ضرورة سحب "ي ب ك" من منبج ومنطقة شرق الفرات، ووضعها تحت إشراف تركيا، من أجل ضمان عودة السوريين الذين تستضيفهم تركيا، من أكراد وعرب وآشوريين وكلدان، إلى أراضيهم ومنازلهم في أقرب وقت.

تركيز الطرف الأمريكي على الشراكة الاستراتيجية، وأخذه بعين بالاعتبار مخاوف تركيا الأمنية، واقتناعه بأن "ي ب ك" لا تمثل الأكراد، معطيات جدية وجديدة من شأنها إذابة الجليد، والبدء بخطوات عملية على صعيد تنفيذ الانسحاب الأمريكي من سوريا، بحسب تحليل "الأناضول".

عرقلة روسية

اعتمدت الاستراتيجية الروسية منذ بدء التدخل العسكرية الروسي في سوريا عام 2015 على تهجير أكبر عدد ممكن من السوريين إلى دول الجوار. فقد كانت مخيمات النازحين في الداخل السوري في مقدمة الأهداف التي بدأ الطيران الحربي الروسي بقصفها، إلى جانب المدارس والمساجد والملاجئ التي كان يحتمي بها المدنيون من غائلة البراميل المتفجرة التي كان يقصفهم بها نظام الأسد.

استهداف الروس للمدنيين كان القصد منه تهجير أكبر عدد ممكن من السوريين لدول الجوار، وخصوصا إلى تركيا، لكي يشكل هؤلاء اللاجئون عبأ ماديا وبشريا على الدول المضيفة، يصعب عليها تحمل أعبائه لفترة طويلة، فتضطر هذه الدول للإذعان والقبول بالشروط الروسية. لأن موسكو واعتمادا على تجربتها المريرة في أفغانستان، كانت تريد الحسم العسكري الخاطف السريع، من خلال تنفيذ ضربات عنيفة خاطفة، واتباع سياسة الأرض المحروقة، على نموذج جروزني، فيتحقق لها الحسم العسكري في أقرب فرصة.

لكن حسابات موسكو ضلت طريقها في سوريا، ها هو التدخل العسكري الروسي يدخل عامه الرابع دون حسم عسكري ولا انتصار واضح، كذلك مسار أستانا، الذي أرادته موسكو مكانا وعنوانا للحل السوري، يراوح مكانه دون هدف ولا بوصلة، ولا حتى تفاهم على الأساسيات بين أطرافه الضامنة، فقد اختتم اجتماع دول أستانا الأخير دونما اتفاق على أي من الملفات الرئيسية، حيث خلا بيانه الأخير من أي مضمون سياسي، واقتصر على الأمنيات والتمنيات والنوايا الحسنة.

التصعيد على إدلب

بات في حكم المعتاد في الآونة الأخيرة تكرار الخروقات لاتفاق سوتشي، فكلما حدث تقارب وتفاهم بين أنقرة وواشنطن، ارتفعت وتيرة خروقات قوات نظام الأسد والميليشيات الإيرانية الداعمة لها، لتصبح يومية وعلى مدار الساعة تقريبا.

القصف اليومي لقوات النظام على مناطق خان شيخون و سراقب ومعرة النعمان بإدلب وريف حماة وغيرها من المناطق المشمولة باتفاق خفض التصعيد، تسبب في مجازر راح ضحيتها مؤخرا عشرات القتلى من المدنيين السوريين.

تحدث هذه الخروقات بالرغم من الالتزام التام بالاتفاق من طرف المعارضة، فمنذ التوقيع على اتفاق سوتشي لم يحدث هجوم واحد ضد قاعدة حميميم الروسية، ولا غيرها من مواقع الروس أو النظام، سوى الرد على هجمات النظام والميليشيات الايرانية التي لم تنقطع، وهذا يسحب الذريعة من يد الروس.

يهدف الروس من خلال الخروقات المتعمدة لاتفاق سوتشي ومناطق خفض التصعيد إلى الضغط على تركيا من أجل مقايضة إدلب بقواعد لهم في منطقة شرق الفرات، حيث بادروا منذ فترة إلى تأسيس قاعدة عسكرية لهم قرب القامشلي.

ويؤكد ذلك تصريح وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، بأن روسيا ستشارك في إنشاء "المنطقة العازلة" على الحدود الشمالية مع سوريا، بأفراد من الشرطة العسكرية الروسية. لكن لافروف يرى أن الحديث عن المنطقة العازلة يجب أن يكون على أساس الاتفاق بين أنقرة ودمشق عام 1998 والذي يسمح لتركيا بالقيام بأعمالها في داخل الحدود السورية.

يضيف لافروف بأن روسيا لديها خبرة في الاتفاقات البرية ووقف إطلاق النار ومراعاة الإجراءات الأمنية ومناطق خفض التصعيد، وكلها جرت بمشاركة الشرطة العسكرية الروسية. لكنه لا يغفل الإشارة إلى خلافات مع تركيا حول تصنيف بعض الفصائل على أنها إرهابية، لكنه استدرك بأن روسيا تتفهم القلق التركي، ليترك الباب موارباً أمام صفقة سياسية بهذا الخصوص.

وللعلم فإن روسيا لا تعتبر "بي كا كا/ ب ي د/ ي ب ك" منظمات إرهابية، بل تصنفها كحركات تحرر وطنية، وتسمح لها بفتح مكاتب ارتباط لها في موسكو.

يقول الأكاديمي والكاتب اللبناني خطار أبو دياب: "‏مع نهاية داعش على الأرض، يبدو أن "ربع الساعة الأخير" للملف السوري يطرح بإلحاح وضع شرق الفرات وحالة إدلب ومشروع المنطقة الآمنة، و"كل ذلك قنابل موقوتة وسيناريوهات لتجدد الصراعات، مما يؤشر إلى أن الوظيفة الجيوسياسية للحروب السورية لم تستنفد غرضها بعد".

اقرأ أيضا: انقسام بين مقاتلي "تنظيم الدولة" في شرق سوريا: القتال أم الاستسلام؟

المصدر: 
الأناضول - السورية نت

تعليقات