ضوضاء النووي الإيراني

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

13/5/2018
العربي الجديد
المؤلف: 

قبل توقيع الاتفاق النووي، بين المجموعة الدولية وإيران، في يوليو/ تموز 2015، كانت الأجواء العامة ملبدة، ولسان حال القوى الكبرى يقول: "الاتفاق النووي أو الحرب". ولم يكن الرأي العام العالمي، من جهته، إلا لامساً تلك الأجواء ومصدِّقاً التهويل المرافق، وكان ينتظر اندلاع الحرب في أي لحظة، كونها البديل الذي جرى ترويجه، من أجل تدمير برنامج إيران النووي، وهو ما تغير فجأةً مع توقيع الاتفاق. ولكن، وعلى الرغم من الاتفاق، إلا أن الأجواء سرعان ما عادت إلى التلبد، وعادت الضوضاء التي رافقت موضوع هذا الملف، وغيره من ملفاتٍ لم تهدأ مفاعيلها منذ وصول الإسلاميين إلى الحكم في إيران، وابتعاد الأخيرة عن أن تكون دولة طبيعية منخرطة في المجتمع الدولي. 

وفي استعادة لتفاصيل الملفات الخلافية، بين إيران وبقية الدول، يستحق الأمر التوقف عند فكرة إن كانت الدول الكبرى، ومعها حكام طهران، يرغبون، فعلاً، في تخفيف التوتر المصاحب علاقتيهما، وتخفيف كل تلك الضوضاء التي أصمَّت آذان الجميع، حتى البعيدين الذين ليس لهم ناقة في الذي يجري في هذه المنطقة. تقول المعطيات إن للجميع مصلحة في سياسة شدِّ الحبل وتركه، وتبريد هذا الملف تارةً ثم إعادة تسخينه، من دون أن يكون لشعوب المنطقة، أو حتى شعوب الدول الكبرى مصلحة في هذه اللعبة، إنما عليهم تحمل العواقب الناجمة عن هذه الآلية، وحسب. 

خلال هذه الفترة التي تلت وصول الإسلاميين إلى الحكم في إيران، وقاربت أربعين عاماً، لم يجد الإيرانيون من سبيلٍ إزاء العقوبات المفروضة عليهم، والتهديدات التي يتعرّضون لها، سوى التحول دولة عسكرية، تبرر لها قرارات الأمم المتحدة خطوات اكتساب القوة، من أجل الدفاع عن نفسها في وجه التهديدات التي تصل إليها كل صباح، إلا أن الغرب الذي أدمن توجيه التهديدات إلى إيران يتحمل مسؤولية تحول القوة التي امتلكتها إلى فائض قوةٍ يحتاج إلى تفريغ، ويجد، بحكم أسبابٍ تكوينيّةٍ خاصة به، طريقه إلى فعل ذلك من خلال أقل الثغرات الموجودة في حصون الدول الأخرى، كما حصل في لبنان، وبعده في العراق واليمن وسورية. لا بد أن هذا الأمر هو ما جعل الملفات الخلافية تتضاعف، وجعل مسار الوصول إلى حلولٍ يصبح أكثر تعرُّجاً. 

الآن، ومع إعلان الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، قبل أيام، انسحاب بلاده من الاتفاق النووي مع إيران، ومع إعلانه فرض عقوباتٍ جديدة، تضاف إلى المفروضة من عقود، هل يمكن اعتبار الأمر إعلان حرب على حكومة طهران، أم أنه تمرين آخر من تمرينات توتير الأجواء، من أجل زيادة تحكم واشنطن بشعوب المنطقة وأنظمتها؟ ولم يكن ينقص تهويل ترامب من خطورة النووي الإيراني، وتهديده المستمر بالانسحاب من الاتفاق مع طهران، سوى الكلام الذي خرج به رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، في 30 إبريل/ نيسان الماضي، عن حصوله على وثائق إيرانية تثبت سعي طهران إلى تصنيع سلاح نووي. وبرز في كلام نتنياهو، يومها، نيته اتخاذ تلك الوثائق مبرّراً لضرب منشآت إيران النووية، على الرغم من معلوماتٍ إن تلك الوثائق معروفة لدى الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وهي التي دفعت المجموعة الدولية إلى إبرام الاتفاق النووي مع إيران. وقد أثارت لهجة نتنياهو الحادّة تجاه إيران التساؤلات عن توقيتها، مع العلم أنه درج، منذ أوائل تسعينيات القرن الماضي، على الحديث عن نية إيران امتلاك سلاح نووي. 

يدفع المسار الذي اتخذه الحديث حول النووي الإيراني، طوال الفترة الماضية، وتصعيد التوتر في المنطقة إلى حد وصولها إلى شفا حرب بين أميركا والكيان الإسرائيلي، من جهة، وإيران، من جهة أخرى، ومن ثم الوصول إلى تسوية هذا الملف عبر الاتفاق المذكور، يدفع إلى التساؤل عن هدفه الحقيقي، من جهة المصلحة الأميركية، فالاتفاق تبعه تخفيف بعض العقوبات على طهران، والإفراج عن بعض الأموال الإيرانية المُجمَّدة في البنوك الأميركية والآسيوية، وهو ما ضمن للولايات المتحدة الحصول على قسم من تلك الأموال لتعويض ضحايا اعتداءات "11 سبتمبر"، بفعل اتهام إيران بالضلوع فيها، وكان ذلك في عهد الرئيس السابق، باراك أوباما. ومن ثم جاء الأمر كأنه حان الوقت للعودة إلى الحالة الطبيعية، أي لتوتير أجواء المنطقة من خلال الانسحاب من الاتفاق، للحصول على أموال أخرى جرّاء هذا التوتير، وهو ما تحقق عبر عقود السلاح السعودية التي وقعها مسؤولوها المهجوسون بالخطر الإيراني. 

من الطبيعي أن يدفع انسحاب ترامب من الاتفاق النووي مع طهران حكامها إلى مزيد من الراديكالية، والبحث بالعودة الجدية إلى مسعى امتلاك سلاح نووي، يرونه رادعاً لعدوانية واشنطن. ومن الطبيعي، والحال هذه، تعزيزهم النفوذ الذي تحقَّق لهم في لبنان والعراق واليمن وسورية، بدلاً من استماعهم إلى المطالب التي تنادي بخروجهم من هذه البلدان، ووقف دعمهم الفرقاء فيها للمساهمة في تسوية مشكلاتها. وسيؤدي الأمر هذا إلى عودة الضوضاء حول الملف النووي، وسيكون من بنود أخرى عالقة، ولا تقل أهمية عنها، ترى واشنطن أنه لا بد من استخدام القوة من أجل تسويتها. وهذه بحد ذاتها متوالية، يدخل حكام واشنطن فيها، ويدخلون المنطقة في أتون نيرانها، كلما رأوا أن مصالحهم لا تتحقق سوى بإثارتها.

تعليقات