ضياع العالم العربي

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

25 مايو/أيار 2019
العربي الجديد
المؤلف: 

يشبه الوضع الحالي الذي يمر به العالم العربي، تلك الأوضاع التي عاشتها الدولة العثمانية في آخر سنواتها، عندما أطلقت عليها أوروبا لقب "الرجل المريض"، أو "المسألة الشرقية" باعتبارها مصدر خلاف بين القوى العظمى المتنافسة على تقاسمها. لا يوجد اليوم على خريطة التفاعلات الدولية كيانٌ اسمه العالم العربي، له نظام إقليمي واضح، ودول ذات سيادة فعلية وأنظمة سياسية وشعوب، بل مجرّد ثروات متناثرة، وجغرافيا سياسية سائبة، وعصابات مسلحة خطرة. وإزاء ذلك كله، تنافس إقليمي ودولي محموم، يعبر عن نفسه عبر صراعاتٍ بالوكالة، واحتكاكات مباشرة بين حين وآخر. ولم يعد خافياً أن الأزمات التي تراكبت على العالم العربي، منذ تشكّل دوله الوطنية، وطريقة الإدارة الخاطئة، وخصوصا من النخب الحاكمة، هي التي أنتجت هذه الحالة من الانسداد، أو التجمد، بلغة أدق، ما أدى إلى تعطّل شرايين الجسد العربي وانحطاطه إلى أبعد درجة.
والمفارقة أن الركائز التي كان مفترضا أن تشكّل رأس المال العربي، للانطلاق نحو الأفضل، الثروات الباطنية وطرق التجارة الدولية والقوّة البشرية، هي نفسها التي تحوّلت إلى عوامل جرّ العالم العربي إلى هذا الانحطاط، ليس بسبب سوء إدارتها وحسب، ولكن أيضاً لأنها شكّلت مطمعاً للقوى الخارجية وتنافسها الحاد الذي يجري في قلب الجغرافية العربية، وعلى حساب شعوبها. وفي وسط هذه الحالة من الضياع، تبرز جليةً مشكلة النخب العربية الحاكمة، وطريقة إدارتها الأزمات والصراعات، سواء التي تقع داخل النويات الصلبة للأنظمة السياسية، أو بينها وبين المجتمعات التي تحكمها، فقد أدى فشلها في إدارة هذه العمليات إلى استدخال الأطراف الخارجية في صلب عمليات إدارة أنظمتها وعلاقاتها، حتى وصلنا إلى مرحلةٍ صارت تلك الجهات أطرافا أصيلة في معادلات السلطة والحكم.
إذا نظرنا إلى جميع الدول العربية اليوم سنجدها في وضع الدول المستعمرة (بفتح الميم)، فالمكون الخارجي كبير في توجهاتها وقراراتها وصناعة سياساتها، فأين هي الدولة العربية المستقلة ولو نسبياً؟ ما يزيد حدّة الأزمة التي يعيشها العالم العربي المنكوب أن الفاعلين الخارجيين يسعون ليس إلى تحقيق المكاسب فقط، بل أعلى درجة من المكاسب في سباقٍ مفتوح وأفق مكاسب مشرّع لا حدود له، ذلك أن الضعف العربي؛ وتبعية الأنظمة والنخب العربية، يرفعان سقف شهوة هذه الأطراف، إلى درجةٍ تجد أنه من الطبيعي قيامها بامحاء الدول والمجتمعات، والسيطرة على الاقتصادات وتدمير الثقافات، فهي أمام فرصة تاريخية، ومن الحكمة استثمارها إلى أقصى الحدود، ومن الطبيعي استخدام كل الأدوات التي تساعد على إنجاز هذه المهمة.
هذا هو الواقع. نحن في عالم عربي تشكّل دساتيره القوى الخارجية، وهي نفسها القوى التي تقرّر العلاقة بين مكوناته؛ وتقرّر مصائر شعوبه وكيفية تصريف ثرواته، وطبيعة علاقته بأرضه، ومن يعادي ومن يصالح. وقريباً ستقرّر هذه القوى نمط التدين المناسب لنا، ونمط الحياة الذي نستطيع هضمه وإتقانه.
من يستطيع اليوم التحدّث عن نظام عربي، من دون أن يتهمه أحد بالنوستالجيا؟ الحنين إلى زمن متخيّل. وأين الجيوش الوطنية العربية، وكيف تسربلت وضاعت بين شقوق التصدّعات بين الأنظمة الحاكمة والمجتمعات، وفجأة وكأننا لم نبن يوماً جيوشا، وننشد لها الأناشيد الحماسية؟ بل أين هي الأوطان التي انتمينا إليها يوماً؟ وكأنها كانت تقف على حرف، على صوتٍ متحشرج، خرج يقول: يا حرية، لتقوم الدنيا ولم تقعد من لحظتها، حتى تلك البلاد التي لم تصدح فيها أصوات الحرية تعكّر صفوَها من صدى الصوت البعيد.
غير أن الانحطاط والضعف العربيين لم يغلقا الباب على العالم العربي، ليستمتع بأزماته منفرداً، أو حتى ليجد لحظة صفاءٍ يبحث فيها عن مخارج لأزماته، لكنّه ورّط العالم في صراعاتٍ، يبدو أنها بدأت، ولا أحد يعرف كيف ستنتهي، فمن مياه الخليج إلى شواطئ المتوسط وخلجان البحر الأحمر تشتبك القوى الإقليمية والدولية في ما بينها للحصول على المغانم التي هيأها المشهد العربي المنفلت، وثمّة من قرّر تسريع الاشتباك، لأن الفرص لا تنتظر كثيراً، والتطورات جارية لا بد من اللحاق بها.
وإذ يحسب للعالم العربي قدرته الرهيبة في صناعة خطوط مواجهة بين مختلف اللاعبين، ومن ثم إشعال هذه الخطوط، فإن التساؤل عن الأثر الذي ستتركه تلك المواجهات على جسدٍ منهكٍ وممزقٍ يبدو بديهياً، وليست أي مواجهات، ذلك أن بعضهم يتوقع أن الحرب العالمية الثالثة ستجري على جغرافيا العالم العربي، انطلاقاً من حقيقة أن هذه الجغرافيا تعيش في الأصل في حالة فوضى، وأن أي فوضى جديدة لن تشكّل سوى فروق نسبية غير ملموسة. هكذا، يتحوّل ضياع العالم العربي من مسألة تشغل العالم إلى مجالٍ وساحةٍ تحل مسألة العالم عبر استضافته حروبه وصراعاته المدمرة، وتفريغ شحن توتراته. وعندها تكون النخب العربية الحاكمة قد أكملت وظيفتها، وأنجزتها باحترافيةٍ تُحسد عليها، ما دامت قد تشكّلت، بالأصل، للقيام بوظيفة، واستمرّت في الحكم سنوات طويلة، تحت ظل إدارتها شبكة وظائفها للقوى الإقليمية والدولية.