طموحات إيرانية في سورية

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

2019-03-04
العربي الجديد
المؤلف: 

ثمّة أمر لا يحتاج إلى تأكيد، أن بشار الأسد لم يعد لديه حلفاء أو داعمون سوى إيران في المنطقة، وروسيا كقوة عظمى، إلا أن ثقته في طهران أعلى منها في موسكو، حيث تتجاوز أهداف روسيا وحساباتها شخصه والنخبة الحاكمة معه.

وخلال العامين الأخيرين، ألمحت موسكو، أكثر من مرة، إلى أنها غير متمسكة بالإبقاء على شخص بشار الأسد. كما لعبت عدة مرات دور الوسيط بين الأطراف المعنية بالملف السوري، وكانت أهم تلك الوساطات مطلع أغسطس/ آب 2018، عندما دفعت روسيا إيران إلى سحب قوات وعناصر وأسلحة تابعة لها إلى مسافة 85 كم شرقاً من الجولان، بعد أن هدّدت إسرائيل بعملية عسكرية ضد تلك القوات.

لذا لا تعد روسيا حليفاً حصرياً لبشار الأسد، فقد ساندته بقوة، وأنقذته من السقوط، لكنها تحرص، في الوقت ذاته، على عدم استفزاز الأطراف الأخرى، بل وأحياناً التنسيق معها. بما فيها إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية، وتركيا أيضاً. أما إيران، فمتحرّرة إلى حد بعيد من تلك المواءمات، ورهانها على بشار كبير وعميق، ولذلك تحظى بثقته أكثر من أي طرفٍ آخر، وتعتبر أن استثمارها الحقيقي في سورية يكمن في الإبقاء على حكم بشار، واستمرار التحالف الاستراتيجي مع دمشق الذي تملك فيه طهران اليد الطولى.

لا يمثل غياب بشار الأسد مشكلةً حقيقيةً لروسيا، وكذلك الأمر بالنسبة لأميركا وأوروبا، بل وأيضاً لإسرائيل، إلا إذا كان البديل قفز الإسلاميين على الحكم، لكن الوضع مختلف بالنسبة لطهران، فإن مجرد سقوط الأسد، في حد ذاته، يعد خطراً كبيراً وخسارة فادحة، وإهداراً للمليارات التي أنفقتها طهران دعماً عسكرياً واقتصادياً له. ولم يُخف المسؤولون الإيرانيون أن طهران تتطلع إلى مكاسب اقتصادية أعلى كثيراً مما تم إنفاقه، من خلال مشروعات إعادة الإعمار، وكذلك عبر مشروعات جديدة للطاقة، تشمل خطوط أنابيب وممرّات لنقل الطاقة.

كما أن وجود بشار الأسد يمثل صمّام أمانٍ ليس فقط لاستمرار الهيمنة والنفوذ الإيراني، لكن أيضا من منظور التوافق العقيدي "المذهبي" الذي يمثل خط دفاع أول ومباشر أمام مصالح إيران ونفوذها في مواجهة أي تهديد يحمل بعدا عقائديا، سواء في لبنان أو العراق، فضلا عن الداخل السوري بالطبع.

يعزّز ما سبق من توافقات بين دمشق وطهران قاسم مشترك مهم يتعلق بمستقبل سورية، إذ لم تعد وحدة الدولة السورية هي الأولوية، وإنما الاستمرار في الحكم بالنسبة لبشار الأسد، وضمان قدرٍ مناسبٍ من النفوذ والدور بالنسبة لطهران، فالأسد حدّد محور اهتمامه فيما أسماها "سورية المفيدة".

وتجسّدت هذه الرؤية في تركيزه على استعادة مناطق معينة، ومواجهة مختلف الفصائل المسلحة، عدا تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وقوات سورية الديمقراطية (قسد)، التابعة للأكراد. ومن المنظور نفسه، حرصت إيران على تركيز وجودها في الغرب والجنوب. وشهدت تلك المناطق نزوحاً داخلياً وتغييراً في التركيبة الديمغرافية، كانت الهوية المذهبية ملمحاً بارزاً فيها.

وعندما تركّز القوات الحكومية المدعومة إيرانياً في عملياتها العسكرية على استهداف الفصائل الإسلامية المسلحة المختلفة مع بعضها، المتقاتلة فيما بينها، وتترك عناصر "داعش" تنسحب بهدوء، وتخرج من مناطقها في أمان، وتترك الشمال ساحةً مفتوحةً تتنازعها تركيا وقوات "قسد". بينما تمد إيران أذرعها (حزب الله ومجموعات أخرى مرتزقة) في الغرب. يكون المعنى المباشر لهذه الانتقائية أن طهران ودمشق لا تعتبران تقسيم الأراضي السورية خطاً أحمر. بينما استمرار الوجود والسيطرة هو المصلحة الأساسية المباشرة، حتى وإن كان ذلك في نطاق جغرافي معين، قد لا يشمل كل الأراضي السورية، لكنه يكفي لاستمرار سلطةٍ، ولو جزئية، لبشار الأسد والنخبة المرافقة له، وضمان نفوذ سياسي وحضور عسكري ومكاسب اقتصادية لإيران.