عائلتي المفقودة في سورية: الخزي والعار في اليرموك

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

15/4/2015
Middle East Eye
المؤلف: 

(ترجمة السورية)

لقد فقدنا أفراداً من عائلتي في مخيم اليرموك في سورية منذ عدة أشهر. ليس لدينا فكرة من الميت ومن الحي. على العكس مما حدث في ليبيا مع عمي الآخر وأبنائه هناك، الذين فروا من حرب الناتو وظهرلاحقاً بعد عدة أشهر أنهم كانوا أحياءً ولكن مختبئين في الصحراء، فقد اختفت عائلة عمي في سورية تماماً وكأنها قد ابتلعت من قبل ثقب أسود، وسحبت لبعد آخر.

أختار تشبيه "الثقب الأسود"، عن التشبيه الآخر الذي استخدمه الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون – "أعمق حلقة في الجحيم" – الذي أطلقه مؤخراً في إشارة لمحنة الفلسطينيين في اليرموك بعد التقدم الذي أحرزته قوات "الدولة الإسلامية "الشهيرة في بداية شهر نيسان.

إن لاجئي مخيم اليرموك – الذين تجاوز تعدادهم سابقاً 250,000 وتناقصوا خلال الحرب الأهلية السورية إلى 18,000 – يقدمون مثالاً مصغراً عن قصة أمة كاملة، يخزينا ألمها الدائم جميعاً دون استثناء.

يعيش اللاجئون الفلسطينيون (الذين نزح بعضهم عدة مرات) ممن فروا من الحرب السورية إلى لبنان والأردن أو نزحوا داخل سورية نفسها، واقعاً قاسياً في ظل الحرب القاسية والأنظمة العربية غير المضيافة. والعديد ممن بقوا في اليرموك تحولوا إلى أشلاء جراء البراميل المتفجرة للجيش السوري، أو وقعوا ضحية – وقطعت رؤوسهم الآن – من قبل الجماعات العنيفة الخبيثة التي تسيطر على المخيم، بما فيهم جبهة النصرة و"الدولة الإسلامية" مؤخراً.

والذين استطاعوا بطريقة ما تفادي الإصابات الجسدية يعانون من الجوع. وتقع مسؤولية الجوع في اليرموك على كل الأطراف المعنية، وكذلك "الظروف غير الإنسانية" التي يعيشون في ظلها – خاصة منذ شهر كانون الأول من عام 2012 – إنها تمثل وصمة عار على جبين المجتمع الدولي بشكل عام، والجامعة العربية بشكل خاص.

هؤلاء هم بعض الجناة المسؤولون عن المعاناة في اليرموك:

إسرائيل:

تتحمل إسرائيل المسؤولية المباشرة لمحنة اللاجئين في اليرموك، والخمسة ملايين لاجئ الآخرين في أنحاء الشرق الأوسط. غالبية اللاجئين في اليرموك هم أحفاد اللاجئين الفلسطينيين الذين أتوا من فلسطين التاريخية، خاصة من المدن الشمالية، بما فيها صفد، التي تقع الآن داخل إسرائيل. لقد تم إنشاء المخيم في عام 1957، بعد عقد تقريباً من النكبة – كارثة عام 1948 التي شهدت على طرد مليون لاجئ تقريباً من فلسطين. وكان من المفترض أن يكون ملجأً مؤقتاً، ولكنه أصبح مسكناً دائماً. لم يتخلَ سكانه مطلقاً عن حقهم في العودة لفلسطين، وهو الحق الذي نص عليه قرار رقم 194 للأمم المتحدة.

تعلم إسرائيل أن ذاكرة اللاجئين هي عدوها الأكبر، لذا عندما طلبت القيادة الفلسطينية من إسرائيل السماح للاجئي مخيم اليرموك بالانتقال إلى الضفة الغربية، وضع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو شرطاً بأن: عليهم التخلي عن حقهم بالعودة. رفض الفلسطينيون. وسيرفض اللاجئون. لقد أبدى التاريخ أن الفلسطينيين يقبلون بتحمل معاناة لا توصف كي لا يتخلوا عن حقوقهم في فلسطين. إن واقع أن نتنياهو قد وضع شرطاً كهذا لا يشهد فقط على خوف إسرائيل من الذاكرة الفلسطينية، ولكن على الانتهازية السياسية والقساوة المجتذرة للحكومة الإسرائيلية.

السلطة الفلسطينية:

تم إنشاء السلطة الفلسطينية في عام 1994 وأسست على ميثاق واضح حيث "عادت" مجموعة صغيرة من الفلسطينيين للأراضي المحتلة، وأنشأت بضعة مؤسسات واختلست مليارات الدولارات من المساعدات الدولية، مقابل التخلي عن حق العودة للاجئين الفلسطينيين، والتخلي عن أية مطالبة بسيادة وقومية فلسطينية حقيقية. أصبحت الأمة الفلسطينية كما أرادتها النخبة السياسية لفلسطين أن تكون. "فلسطين" الجديدة ليس لها حدود مُعَرَفة، تستبعد الشتات وملايين اللاجئين، تعتبر أمر الفلسطينيين في إسرائيل كمسألة إسرائيلية داخلية، قسمت غزة والضفة الغربية، وليس لديها أي صبر لأية محاولة ديمقراطية.

لم تقم السلطة الفلسطينية فقط بالتخلي تماماً عن اللاجئين، ولكن تركت اللاجئين في لبنان البالغ عددهم نصف مليون شخص ليعيلوا أنفسهم، وهم محتجزون في مخيمات اللاجئين حيث لم يسمح لهم بالنمو أو التطور، دون صوت أو تمثيل سياسي.

عندما بدأت الحرب الأهلية في سورية بتطويق اللاجئين، وعلى الرغم من أن هذا الواقع كان متوقعاً، فلم تقم سلطة الرئيس محمود عباس بالكثير وكأن الأمر لم يكن مهماً، أو كأنه لا يثقل على كاهل الشعب الفلسطيني ككل. صحيح أن عباس قدم بعض التصريحات التي دعت السوريين لترك اللاجئين خارج الصراع السوري، ولكنه لم يقم بأكثر من ذلك. عندما سيطرت "الدولة الإسلامية" على المخيم، أوفد عباس وزيره للعمل، أحمد مجدلاني إلى سورية. قام الأخير بالتصريح بأن الفصائل والنظام السوري سيتحدون في مواجهة "الدولة الإسلامية"– وهذا إن كان صحيحاً، سيضمن على الأرجح مصرع المئات.

إن أنفق عباس 10 بالمئة من الطاقة التي أنفقها في المعركة الإعلامية التي خاضتها "حكومته" ضد حماس أو قسماً صغيراً مما وضعه في "عملية السلام" العقيمة، لكان استطاع على الأقل الحصول على الانتباه والدعم الدولي العاجل المطلوب لحل معاناة اللاجئين الفلسطينيين في مخيم اليرموك في سورية. ولكنه عوضاً عن ذلك، تركهم ليموتوا وحيدين، بينما بقيت الحكومة الفلسطينية آمنة في فقاعتها في رام الله، مرتاحة من صرخات اليتامى والأرامل والرجال النازفين.

النظام السوري:

عندما حصل الثوار على مخيم اليرموك في شهر كانون الأول من عام 2012، قامت قوات الرئيس بشار الأسد بقصف المخيم دون رحمة بينما استمرت وسائل الإعلام السورية بالتحدث عن تحرير القدس. هذا التناقض بين الأقوال والأفعال فيما يتعلق بفلسطين هو عارض عربي أصاب كل حكومة وكل حاكم عربي منذ أن تحولت فلسطين إلى "المسألة الفلسطينية" وتحول الفلسطينيون إلى "مشكلة اللاجئين".

سورية ليست استثناءً لذلك، ولكن الأسد، مثل والده حافظ من قبله، ذكي بشكل خاص في استخدام فلسطين كقضية تهدف فقط لتقديم الشرعية لنظامه في حين يقوم بعرضه كقوة ثورية تحارب الاستعمار والإمبريالية. لن ينسَ الفلسطينيون مطلقاً حصار ومجزرة تل الزعتر (حيث حوصر اللاجئون الفلسطينيون في لبنان، وذبحوا وجوعوا أيضاً نتيجة لحصار ومذبحة نفذتها الميليشيات اللبنانية اليمينية والجيش السوري في عام 1979)، كما أنهم لن ينسوا أو يغفروا ما يحدث في اليرموك اليوم.

فرض الجيش السوري حصاراً على مخيم اليرموك منذ عامين لخنق الثوار. وقد تحولت العديد من المنازل في المخيم إلى ركام جراء البراميل المتفجرة والقصف والغارات الجوية التي نفذها الأسد. إن اللاجئين العالقين في الحصار المحكم وبين الميليشيات المتحاربة، يعانون من نقص الغذاء، ولا كهرباء أو ماء أو مؤن طبية لديهم، ويموتون بشكل بطيء ومؤلم. وأثناء ذلك، لازال التلفاز السوري يقدم الخطط لتحرير فلسطين.

الثوار:

ما كان على الجيش السوري الحر الدخول مطلقاً إلى مخيم اليرموك، مهما كان يائساً لتحقيق تقدم في حربه ضد الأسد. لقد كان ذلك فعلاً متهوراً نظراً لواقع أن الفلسطينيين، على عكس اللاجئين السوريين، لا يملكون أي مكان للذهاب إليه وليس لديهم أحد للجوء إليه. لقد استدعى الجيش السوري الحر غضب النظام، ولم يستطع حتى السيطرة على المخيم، الذي وقع في أيدي ميليشيات متعددة كانت تخطط وتتفق بين بعضهم بعضاً لهزم أعدائهم، الذين من المحتمل أن يصبحوا حلفاءهم في معاركهم التالية المثيرة للشفقة للسيطرة على المخيم.

إن دخول "الدولة الإسلامية" إلى اليرموك سهلته جبهة النصرة التي تعادي "الدولة الإسلامية" في كل مكان إلا في اليرموك. تأمل النصرة استخدام "الدولة الإسلامية" لهزم المقاومة المحلية في المخيم، التي نظمتها أكناف بيت المقدس، قبل أن تعيد تسليم زمام المخيم المحاصر للجماعة المرتبطة بالقاعدة. وبينما تقوم الجماعات الإجرامية بالمسايسة والمقايضة، يموت اللاجئون الفلسطينيون بجماعات.

الأمم المتحدة والجامعة العربية:

ترددت صرخات النجدة من مخيم اليرموك لسنوات، ومع ذلك لم تلقَ آذاناً صاغية. مؤخراً، قرر مجلس أمن الأمم المتحدة عقد اجتماع لمناقشة الوضع هناك وكأن المسألة لم تكن ضرورة قصوى منذ عدة سنوات. مع تنحية المزايدات بالتصريحات الإعلامية القلقة، فإن الأمم المتحدة قد تخلت عن اللاجئين. إن ميزانية الأونروا، التي تشرف على حوالي 60 مخيماً للاجئين الفلسطينيين في كافة أنحاء فلسطين والشرق الأوسط تقلصت بشكل كبير جداً، غالباً ما تجد الوكالة نفسها على شفا الإفلاس.

كما أن وكالة اللاجئين التابعة للأمم المتحدة، التي تملك التجهيزات والتمويل الأفضل للتعامل مع الأزمة، لا تقدم الكثير للاجئين الفلسطينيين في سورية. وكثيراً ما أخل بالوعود التي تقدمها لتمويل الأونروا، والتي كان بإمكانها القيام بما هو أفضل بكثير لزيادة التوعية ولمواجهة المجتمع الدولي بإهماله للاجئين.

ويقع الجامعة العربية مسؤولية أكبر. تم إنشاء الجامعة بشكل أساس لتوحيد الجهود العربية للتجاوب مع الأزمة في فلسطين، وكان من المفروض أن تكون مدافعة قوية عن الفلسطينيين وحقوقهم. ولكن العرب أيضاً تخلوا عن الفلسطينيين بينما يصبون اهتمامهم على النزاعات والمصالح الأكثر استراتيجية – مؤسسين جيشاً عربياً بنوايا طائفية واضحة يهدف بشكل كبير لتصفية الحسابات.

العديد منا:

سبب الصراع السوري خلافاً كبيراً داخل المجتمع الذي بدا فيما سبق موحداً فيما يتعلق بالحقوق الفلسطينية. فمن أخذ صف النظام السوري لا يعترف مطلقاً بأن الحكومة السورية بإمكانها القيام بالمزيد لتقلل معاناة المخيم. ومن يعارض الأسد يصر على أنه هو وحلفاؤه من اقترفوا كل الأفعال الشريرة.

لا يؤدي هذا الخلاف فقط للتوصل إلى استنتاجات غير عقلانية بينما يتم انتقاء أدلة معينة وتجاهل البقية. بل إنه أيضاً يملك نتائج عكسية. هذا القتال العقيم يعكس الواقع المخيب للآمال حيث أن العديد ممن يعتبرون أنفسهم "في صف الفلسطينيين" تقودهم الشعارات والتفكير الجماعي، لا حقوق الإنسان، الأيديولوجيات التي تخدم الذات، لا سلامة اللاجئين، السياسات العنيدة، لا العدالة النقية.

هؤلاء الأشخاص أيضاً، مسؤولون عن إضاعة الوقت، وإرباك النقاش وإضاعة الطاقات التي كان بالإمكان استخدامها لإنشاء حملة دولية منظمة لزيادة الوعي ولجمع التمويل ولإيجاد الآليات العملية لمساعدة مخيم اليرموك بشكل خاص، واللاجئين الفلسطينيين في سورية بشكل عام.

حري بنا جميعاً أن نحني رؤوسنا بصمت، ولكن أيضاً ببعض الخزي، لما حل باليرموك بينما كنا واقفين نراقب ونتشاحن ولا نفعل شيئاً.

ولكن علينا أن نتذكر أنه لازال هنالك 18,000 محاصر في مخيم اليرموك، وأنه علينا الانتظام بالنيابة عنهم، حتى لو كان الوقت الملائم قد فات، لنقوم بشيء ما، أي شيء.