عار الموت السوري

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

4/9/2015
العربي الجديد
المؤلف: 

تحركت أوروبا، أخيراً، من أجل تنظيم عملية استقبال اللاجئين السوريين الذين يتدفقون عبر الممر التركي نحو اليونان فمقدونيا والمجر وألمانيا والنمسا. ولاحظ العالم أن الاتحاد الأوروبي غيّر أساليبه وخطابه حيال اللاجئين، من عدم الاكتراث والصد والاستعداد لقصف القوارب التي تحمل لاجئين باتجاه الضفة الشمالية للبحر المتوسط، إلى نقيض ذلك تماماً. وقادت الانقلاب ألمانيا التي اعتمدت مقاربة إنسانية، تجلت في السماح للاجئين السوريين بالوصول إلى أراضيها، وتطوعت المستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل، لقيادة حملة على جبهتين، داخلية وأوروبية. ونشطت في وسائل الإعلام لعرض مأساة اللاجئين، والدفاع عن كرامتهم الإنسانية وحقوقهم في ملاذ آمن، وواجب المجتمع الدولي في تأمين ذلك. ولهذا، كان خطابها الرئيسي موجها إلى بلدان الاتحاد الأوروبي الذي تعاطى مع المسألة السورية بخفة ومصلحية وفوقية، منذ اليوم الأول للثورة السورية، وعلى الرغم من محاولات التميز من بعض البلدان، فإن الموقف الجماعي لم يتسم بالجدية، وبقي ذيليا يسير خلف الولايات المتحدة. 

 

ما كان لأوروبا أن تغيّر موقفها وخطابها، لو لم تقع جريمة شاحنة العار، في 28 من الشهر الماضي، والتي راح ضحيتها 71 شخصا، قضوا اختناقا في جوف شاحنة، قامت بتهريبهم من هنغاريا إلى النمسا، وقد تركهم المهربون يختنقون وفرّوا. وكان للجريمة المروعة صداها في وسائل الإعلام الألمانية التي أثرت على نظيراتها الأوروبية بسرعة، لكن رد الفعل الأقوى هو التقاط المستشارة ميركل الرسالة التي تتمثل في أن رائحة الموت السوري سوف تملأ سماء أوروبا، إن لم يتم التحرك لوقف مغامرات الموت التي يندفع نحوها السوريون خياراً وحيداً وأخيراً. ويبدو أن فتح الطريق عبر تركيا كان له أثر أكبر من كل الطرقات الأخرى، فلم تنفع عمليات الموت غرقاً في البحر المتوسط في تحريك الأوروبيين، بالقدر الذي فعلته الرائحة التي تسربت من الشاحنة.

 
لم يحرّك الموت السوري الجماعي على الأرض السورية، بواسطة براميل بشار الأسد، الموقف الأوروبي على الرغم من المأساة، في حين أن وصول رائحة الموت إلى الأرض الأوروبية كان له فعل مختلف، لكنه يمكن أن يكون وقتيا ومسكنا، في حين أن المطلوب منه أن يكون ذا مفعول سياسي. صحيح أن السوريين الذين يهربون من الموت يطمحون إلى ملاذ آمن، لكنهم لا يهاجرون نحو العالم، ليتركوا سورية للأسد وداعميه الإيرانيين الذي يعملون علانية على تهجير السوريين، كما هو حاصل في الزبداني والغوطة الشرقية، حيث يفاوض الإيرانيون مباشرة مع حركة "أحرار الشام"، من أجل تهجير سكان هذه المناطق لتوطين موالين لإيران من الطائفة الشيعية. 

 

يعود جانب من التحرك الأوروبي الراهن إلى احتواء موجات اللاجئين السوريين، المقرر أن تزداد زخما، إلى إدراك أوروبا مسؤوليتها عن السبب في وقوع هذه المأساة، فلو أن المجتمع الدولي تحرك، منذ قيام الثورة، لمساعدة السوريين على وجه سليم، لما كان الموقف وصل إلى هذا المستوى من الانهيار، ولكانت الفاتورة أقل وطأة على الجميع. وإذ يتحرك الأوروبيون، اليوم، بعد دمار القسم الأكبر من سورية، وتهجير شعبها في الداخل والخارج ومقتل أكثر من ربع مليون، فإن تحركهم هذا ليس عادياً، بل هو حدث مهم، ويمكن البناء عليه من أجل المساعدة على حل لبقية السوريين الذين لا يزالون يعيشون في بلدهم، ذلك أن نزوح أعداد كبيرة إلى الخارج لا يعني إقفال ملف النزاع في الداخل، بل إن القتال الأهلي مرشح أكثر لأن ترتفع وتيرته، وكلما طال أمده زادت آثاره الكارثية على أوروبا التي لن تستطيع تحمل تبعاته، الأمر الذي يدفعها إلى وضع ثقلها من أجل حل للسوريين، حتى لو كان إيجاد منطقة آمنة في الصحراء.

 

تعليقات