عاصفة الحزم في سورية بين الحاجة والرد الإيراني المتوقع

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

8/4/2015
السورية نت
المؤلف: 

بعد أربع سنين من التعويل غير المُجدي على المجتمع الدولي، وصل السوريون إلى قناعة مفادها أن الجميع تركوهم عمداً أو عجزاً، ليواجهوا قدرهم بأنفسهم، وأن أقصى ما يُمكن أن يتوقعوه هو بعض المساعدات الإنسانية.

عملية "عاصفة الحزم" التي تقودها السعودية للحدّ من تمدد جماعة "أنصار الله" (الحوثيين) المدعومين من إيران في اليمن، جاءت لتبعث أملاً جديداً في نفوس السوريين، في احتمال ولادة حلف عسكري مماثل. إذ يأمل الشعب السوري في تشكيل حلف عربي أو إقليمي، بمشاركة تركيا، يقوم بتوجيه ضربات جوية لمواقع نظام الأسد، وفرض حظر جوي في سماء سورية، كما حصل في اليمن. الأمر الذي سيُمكّن قوات المعارضة من الزحف سريعاً إلى العاصمة دمشق، وإسقاط النظام.

فرص إقامة مثل هذا الحلف تداعب مخيلة معظم السوريين، لكن على أرض الواقع تبدو الأمور أكثر تعقيداً، بالنظر إلى اختلاف الظروف بين الحالتين السورية واليمنية. فالحوثيون في اليمن ظهروا من دون سند إقليمي ودولي، وحتى أن الدعم الايراني لهم غير معلن. أما في سورية، فان إيران موجودة علناً ومباشرة عبر حرسها الثوري، أو غير مباشرة عبر أذرعها العلنية من "حزب الله" إلى التنظيمات العراقية وغير العراقية، فضلاً عن دعمها العلني والصريح للنظام السوري. كما يحظى النظام السوري بدعم قوي من منظومة دولية وعربية أوسع مما هي عليه في اليمن، وفي مقدمتها روسيا والصين والعراق والجزائر، حتى أن دولاً غربية عدة لا تزال تحافظ على قنوات اتصال معه، وباتت تصرّح، كما حال الموقف الأميركي، بأنها لا تريد إسقاط النظام، بل التوصل إلى حلّ سياسي في هذا البلد.

لكن معركة اليمن يمكن أن تكون مقدّمة لتبدّل نوعي في التعامل مع القضايا المطروحة في المنطقة، وانتقالها من مسايرة الأوضاع ومحاولة التوافق عليها إلى مواجهتها بالقوة. هذا التبدّل في التعامل مع القضايا، سيعكس نفسه في تعامل الخليج عموماً مع التطورات في سورية، وتأكيد حضور القوة في حلّ الأزمة السورية. ولعل ما حدث في درعا أخيراً يُشكل تصوراً مسبقاً لشكل التحول العسكري العربي المقبل.

بعضهم يرى ألا حاجة لقيام حلف عربي إقليمي جديد، لأن الحلف نفسه الذي أخذ المبادرة في اليمن، يُمكن أن يقوم بالشيء نفسه في سورية، ويقوم بتوجيه ضربات جوية للنظام السوري وفرض مناطق حظر جوي، والحدّ من قدرة النظام على التحرّك وعلى إيذاء الشعب السوري، الأمر الذي يتيح لقوى المعارضة تسريع عملية إسقاط النظام. لكن كل ذلك مرهون بموافقة الغرب والولايات المتحدة على هذا التحرّك، وهو غير حاصل حتى الآن.

مشاركة تركيا في هذا التحالف الجديد لا سيما في سورية ضد النظام السوري واردة، لكن شرط الحصول على تفويض من الأمم المتحدة بالتدخل العسكري، وهذا مستبعد بسبب الفيتو الروسي والصيني، أو المشاركة ضمن التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة والذي تقتصر ضرباته حالياً على تنظيم "الدولة الإسلامية" أو في حال حصول اعتداء كبير على الأراضي التركية، ما يجعل تركيا في حالة الدفاع عن النفس. وربما تتدخل تركيا بشكل منفرد، وتعمل على فرض مناطق عازلة وحظر جوي في شمال سورية، في حال حدوث تطورات كبيرة في الشمال السوري، كأن تسقط مدينة حلب بيد قوات النظام، وتتدفق أعداد كبيرة من اللاجئين السوريين إلى تركيا.

الحاجة إلى عاصفة حزم جديدة في سورية ليست حاجة للشعب السوري فحسب، بل هي ضرورة لمواجهة التغول الإيراني المتوقع في أعقاب عملية اليمن، إذ لم يكن أكثر حلفاء إيران تشاؤماً يتوقع ردة فعلٍ سعوديّة بهذا الشكل وهذا الحجم، وفقاً لما أفاد به عدد من حلفاء إيران، الذين كانوا يعتقدون أن ردة الفعل السعوديّة تجاه تقدّم جماعة "أنصار الله" (الحوثيون) في اليمن، ستقتصر على الموقف السياسي، ولا يُمكن أن تتعدّاها إلى فعلٍ عسكري بهذا الحجم، لا بل إنه حتى قبل ساعات من بدء ضربات عملية "عاصفة الحزم"، كان مقرّبون جداً من إيران يتحدثون عن الأبعاد الاستراتيجيّة للسيطرة على اليمن والعراق.

يرى حلفاء إيران أن الخطوة السعوديّة تُعيد إنتاج أبرز المواجهات السعوديّة الإيرانيّة، وهذا أمر لا يُمكن لنتائجه أن تقف عند حدود اليمن، إذ يُردّد الحلفاء بأن السعوديّة وضعت إيران في خطوتها العسكريّة هذه في الزاوية، وبالتالي عليها أن تتوقع ردة فعلٍ قاسيةٍ من إيران.

سورية ستكون الساحة الأبرز للردّ الإيراني، إذ لم يكن الفعل السعودي موجّهاً لإيران مباشرةً، لذلك لن يكون الردّ الإيراني من قبلها مباشراً. وبالتالي، وكما كانت الضربة لتنظيم قريب من الإيرانيين، فإن الردّ سيكون من تنظيم قريب من إيران، أي ميليشيا حزب الله. ثم إن أي ردّ إيراني محكوم بحسابات المفاوضات النوويّة مع الولايات المتحدة. ورغم أن الإيرانيّين وحلفاءهم يُكررون أن هذه المفاوضات لا تتناول إلا جانب الملف النووي، إلا أنه بعد الانتهاء من الملف النووي، يُناقش الإيرانيون قضايا المنطقة من موقع قوة، لأنهم مسيطرون على الميدان في العراق واليمن وسورية.

الساحة التي يستطيع حزب الله أن يوجّه ضربةً للسعوديّة وحلفائها فيها هي سورية بالدرجة الأولى. فلبنان، لا يزال خاضعاً لحماية إقليميّة ودوليّة، تمنع الانفجار فيه، كما أن حزب الله لا يستطيع إشعال قاعدة انطلاقه إلى الإقليم، ولا يستطيع جمهوره تحمّل ثمن صراع داخلي أوسع، والأرجح أن الحزب سيعمل بذات الطريقة التي عمل بها بعد الغارة الإسرائيليّة التي استهدفت موكباً عسكرياً له في القنيطرة. إذ جاء رد الحزب حينها ضمن ضرورة الرد لمنع تكريس معادلة عسكرية جديدة، وعدم دفع المنطقة باتجاه حربٍ شاملة.

يتوقّع الجانبان تصعيداً للقتال في سورية إذن. لكن قدرة إيران وحلفائها على التصعيد في سورية، تكاد تكون محدودة، إذ أن حلف إيران سبق أن شن هجومين واسعين في شمال وجنوب سورية، وفشل في تحقيق أهدافه، رغم عدم رفد المعارضة حينها بالذخيرة الكافية والسلاح المناسب. أمّا اليوم، فتقول مصادر المعارضة السورية في الخارج، إن هناك تطوراً في كمية الذخيرة التي تدخل إلى سورية، سواء عبر الشمال أو الجنوب. فتصعيد حزب الله في سورية للردّ على عمليّة "عاصفة الحزم"، يعني محاولة تحقيق خرق جدي في الشمال، عبر الاقتراب من الحدود التركيّة، وفي الجنوب عبر الوصول إلى الحدود الأردنيّة.

مصادر لبنانية مقربة من ميليشيا حزب الله اللبناني الموكل بالملف السوري ودعم نظام الأسد وقيادة العمليات بدلاً من جيشه وميليشياته المتآكلة تُشير إلى أن الأسبوع المقبل قد يحمل تحولات دراماتيكية إذا ما استمرت العمليات في اليمن لأكثر من أسبوع. وربما كان الاتفاق الأمريكي الإيراني الجديد مفجراً للمنطقة برمتها، بسبب تداعياته عليها، كما كان الخلاف بين الطرفين، ولو ظاهرياً، سبباً في تفجير العديد من الصراعات والنزاعات في الماضي.