عالم يولد وآخر يموت

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

26 أكتوبر / تشرين الأول 2019
العربي الجديد
المؤلف: 

انتظر جميع المعنيين بلبنان أن تصل أنسام الربيع العربي إليه، لتضع أوضاعه على محكّ التغيير والإصلاح، استجابة لمطالب شعبٍ لم يعد يطيق العيش في ظل نظام فقد شرعيته، وليس لديه ما يقدّمه لهذا الشعب غير مزيد الطائفية والفساد. وما كان منتظرا حدث، فقد قام شعب لبنان قومة رجل واحد، ضد وضع بلغ من انحطاطه أنه اوكل مسؤوليات حكوميةً "لشبيح" كجبران باسيل، واستسلم لحرس إيران الثوري الذي يحتل لبنان تحت اسم حزب الله، ووصل انفراد هذا الحزب بالبلد إلى حد زجّه في الحرب على سورية لإنقاذ سفاحها ، بأمر من المرشد خامنئي، ما عرّض اللبنانيين لأفدح الأخطار باسم حماية قبر زينب. وتصرّف دوما كسيد للبلاد والعباد، وحام للطائفية والفساد، وتوعد وهدد قبل أيام ملايين اللبنانيين من رافضي "عهد" ربيبه ميشيل عون، الذين لا يراهم شعبا حيا وله حقوق، بل جثة لن تقوى على العودة إلى الحياة، بما حقن به من سموم طائفية، وأخضع له من تخويف، ولسان حالهم يقول ما سبق أن قاله بشار الأسد: ليس في لبنان شعب فيثور، ومن سيثورون سيجدون الجيش والمخابرات في انتظارهم، وستنزل بهم كارثة كمتآمرين وعملاء للصهاينة، انصاعوا لإرهابيين أمروهم برفع راية الحرية والديمقراطية والثورة على الظلم والفساد، ليحجبوا إرهابهم عن الأعين. 
لم يلاحظ أغبياء السلطة أن حزب الله ألغى حدود لبنان بغزوه سورية، وفتح الباب أمام عبور الربيع العربي إليه، وأن ما أورق وأزهر في السودان والجزائر وحراك العراق لن يستثنيه من أزهاره: شبابه الذي وحّده الغضب على الظلم والاحتقار اللذين يعامله بهما لصوص منحطّون، فقرّر النزول إلى الشارع، ليكسر متاريس الفئوية ونظامها البغيض الذي لم يعد قائما إلا عند اللصوص والفاسدين من أهل السلطة، المؤمنين بقدرة طائفيتهم على رد اللبنانيين إلى أماكنهم، إن حاولوا إخراج رؤوسهم منها، بدعمٍ من سلاح إيران المرابط في مختلف بقاع لبنان الذي لن يتوانى حزب الله عن استخدامه لكنس الشعب من الشوارع، وإعادته إلى حالة الموت السريري التي "يعيش" فيها.
لم يصدّق الحزب وساسة الفساد أن الربيع العربي الذي أخرج شعب سورية غير المسيس، والمفتقر إلى تنظيمات سياسية، في ثورةٍ زلزلت أحد أعتى نظم الإجرام والفساد في التاريخ، وأنزلت، في أحد الأيام، ثمانية ملايين متظاهر سلمي إلى الشارع، سينزل شعب لبنان في جميع مدنه وبلداته وقراه إلى الشارع، في ثورةٍ تتجمع منذ عقود في صدور بناته وأبنائه، وأن عدد الثائرات والثائرين سيكون هائلا إلى درجةٍ تجعل قمعه، والفتك بآلافٍ منه، القشّة التي ستقصم ظهر الطبقة الحاكمة، وستجرّدها من ورقة التوت التي تستر شرعيتها المزيفة بها، بفضل وحدة الشعب ووضوح مطالبه المحقة، وإصراره على التغيير السلمي، وموقف قيادة الجيش من حماية المتظاهرين الذي مثّل نسمة منعشة أخرى من نسائم الربيع العربي الذي تفتحت أزاهيره في السودان، ونشرت شذاها في قلوب عشرات ملايين الثائرين، عبر انضمام الجيش إلى الشعب، وقول قائده إن ما تم الاتفاق عليه عن إقامة الديمقراطية كان يجب أن يحدُث بعد الاستقلال مباشرة.
نزل شعب لبنان إلى الشارع، فهزّ بمجرد نزوله أسسا ومعادلاتٍ تخنق المجتمع اللبناني، منها أن قلة طائفية وفاسدة تتقاسم لبنان وشعبه، وتمارس سياسات إذلالية تحفظ أوضاعا دفع ثمنها الفادح، وأوصلت أغلبيته إلى حالٍ من الغضب، أفقدتها الخوف من المواجهة، وأنزلتها إلى الشارع، حيث نزعت أي غطاءٍ وطنيٍّ أو شرعي تدثرت به، وتطالب برحيل تمثيلاتها الحزبية والمسلحة وقياداتها التي حمت، طوال ثلاثة أرباع القرن، النظام الطائفي ومنتجاته السياسية والاجتماعية، وعمّقت بؤس الشعب، وأثارت الفتن والاقتتال بين أبنائه، وباعته لمن دفع.
لبنان القديم يموت والجديد يولد، فلنرحّب به.