عانت من ويلات الحرب وتهجَّرت أكثر من مرة.. امرأة سورية لا تتذكر إلا الآلام

نورا ـ الأناضول
الخميس 14 يونيو / حزيران 2018

"نورة قهيطو" امرأة سورية كانت سنوات الحرب السبع في بلادها، وما تضمنتها من قتل وقصف وحصار ونزوح وتشريد وتهجير كفيلة بأن تلقي بها في غياهب عالم آخر، لتنفصل تماماً عن الواقع، ولا تتذكر من ماضيها سوى ومضات مؤلمة سرعان ما تخبو.

نورة هي إحدى المهجرين الذين خرجوا من الغوطة الشرقية إلى ريف حلب شمالي سوريا، وهي واحدة من عشرات آلاف المهجرين الذين يحمل كل منهم حكاية ألم عاشها جراء قصف النظام وحصاره لهم.

نورة ابنة الجولان المحتل، التي نزحت عائلتها إلى القنيطرة (جنوب) قبل ولادتها بعد احتلال إسرائيل للمنطقة عام 1967.

تلك المرأة التي فقدت عالمها، أو لربما اختارت الانعزال علّه الطريق الأسهل لمواساة نفسها، لم تعد تتذكر من ماضيها سوى الذكريات الأليمة.

قالت نورة (40 عاماً) وهي تحاول أن تتذكر ما حل بها: "نزحت من القنيطرة إلى منطقة عدرا العمالية بمحافظة ريف دمشق مع أهلي، ثم اضطررت أن أنزح مرة أخرى إلى الغوطة الشرقية، وعدت فنزحت إلى الشمال السوري بعد حملة القصف الأخيرة التي شنها النظام على المنطقة"

وتتابع نورة بلسان ثقيل: "لقد جلست في ريف حلب (شمال) عند أناس أطعموني وأشربوني"

وبكلمات أشبه بالهذيان تتذكر نورة وفاة والدها في دوما بغوطة دمشق الشرقية فتقول وقد أعياها التعب "لقد دفنت أبي الذي توفي حالتي متعبة".

تعود نورة لصمتها في زاوية الغرفة التي تقيم فيها بإحدى أقبية مدينة الباب بريف حلب، تنظر حولها وتبتسم بلا سبب.

لم تتلق نورة رعاية طبية أو تشخيصاً لحالتها، في ظل الأوضاع الصعبة التي يعيشها المهجرون، إلا أن الأعراض التي تعانيها تتشابه كثيراً مع أعراض مرض الذهان، وهو خلل في اتصال الإنسان بالواقع المحيط به، ما يجعله يعاني من أحاسيس وهمية، وأحياناً يتصرف بشكل غريب، مع قلة تفاعله مع الناس حوله وضعف قدرته على العناية بنفسه والقيام بالأعمال اليومية.

انفصلت نورة عن زوجها وخرجت مع والديها من مدينة القنيطرة بعد حملة شنها النظام، إلى مدينة عدرا العمالية بريف دمشق لتتوفى والدتها هناك، بعد ذلك اضطرت ووالدها للانتقال إلى مدينة دوما بعد المعارك التي شهدتها المنطقة، ليودعها والدها ويتركها وحيدة بوفاته هناك، ما جعل حالتها النفسية تتردى، إثر الصدمات المتواصلة.

مجدداً تزوجت نورة من رجل في دوما، لكن فرحتها سرعان ما اختطفتها رصاصة قناص استقرت في رأس زوجها بلا رحمة لترديه قتيلاً، ويتلاشى ما تبقى لها من أمل في الحياة، لتسوء بعد ذلك حالتها النفسية، وتدخل عالمها المظلم الجديد.

بقيت نورة مع جيرانها الذين قاموا باستضافتها في الغوطة الشرقية وعاشت معهم في إحدى الأقبية في حملة القصف الأخيرة التي شنها النظام على المنطقة، لتُهجر كما غيرها إلى الشمال السوري وتلتقي بقدرها، في إحدى مخيمات مدينة الباب.

في مدينة الباب تلقفتها يد الأقدار الحانية، إذ فتحت لها إحدى العائلات أحضانها هناك، لم تكن تلك العائلة من مسقط رأسها بالجولان ولا من دوما التي سكنتها، بل من دير الزور (شرق)، لتكون لها الأهل والأصحاب.

يقول "أبو محمد" (60 عاماً) وهو نازح من دير الزور: "لقد جاء أحدهم بنورة في الشمال السوري، بعد أن بقيت وحيدة وتوفي والدها وزوجها، ولم يكن من الممكن أن تجد مكاناً لها في مخيم الشرقية في مدينة الباب نظراً للازدحام والأعداد الكبيرة التي هجرت من الغوطة الشرقية، فاستقبلتها أنا وعائلتي"

"أبو محمد" الذي يتمنى أن يوفقه الله وعائلته في تلبية كل متطلبات نورة، يجلس إلى جانب الأخيرة في غرفة جدرانها من حجر القرميد (الطين المحروق)، لا تتوافر بها أقل مقومات الحياة، في أحد الأقبية بمدينة الباب.

ويمازح الرجل الستيني المرأة التي تقطعت بها السبل قائلاً: "أنت سعيدة يا نورة؟"، تجيبه "نعم"، فيتابع حديثه معها "إذا عدنا الى دير الزور ستذهبين معنا"، فتبتسم وكأنها وجدت حنان الأب الذي فقدته ودفئ الأسرة التي رحلت عنها، وتقول "نعم"

ومجدداً يسألها مازحاً: "هل تريدين العودة الى القنيطرة والغوطة؟"، فتبتسم وتصمت وكأنها تتمنى ألا تفقد العائلة هذه المرة، فيقول لها أبو محمد "نجلس هنا في الباب حتى ربي يفرجها"

يشار أن عملية تهجير سكان الغوطة الشرقية (كان يعيش فيها نحو 400 ألف مدني)، بدأت في 22 مارس/آذار الماضي، بموجب اتفاقات فرضت على المعارضة، إثر حملة برية وجوية شنها النظام بدعم روسي، استخدمت خلالها أسلحة كيميائية.

ويعاني مهجّرو الغوطة الشرقية، الذين أُجبروا على ترك ديارهم، من صعوبات في توفير مستلزماتهم المعيشية والسكنية في الشمال السوري، الذي انتقلوا إليه.

اقرأ أيضاً: عالقون على أبواب أوروبا.. لاجئون يودعون رمضان بانتظار الفرج

المصدر: 
الأناضول - السورية نت

تعليقات