عدنان قصار .. ليس باسل الأسد من أفرج عنه

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

16/ 06/ 2014
الشبكة العربية العالمية
المؤلف: 

بعد سنوات على اعتقال ابنه عام 1993، قرّر أن يلتقي الرئيس حافظ الأسد. أرسل رسالة ربما مع أحد المقرّبين أو الأصدقاء. أو أنه اتصل بمدير مكتبه واستجدى مساعدته. وافق الرئيس. نتخيل أن الأب استشفّ فرجاً قريباً بمجرّد أن وافق الرئيس على لقائه. لا نعرف كيف استقبله الرئيس. هل كان واقفاً أم جالساً؟

هل ابتسم له أم عبس في وجهه؟ هل كان ينظر إلى عينيه تلك النظرة الشاردة والثاقبة في الوقت نفسه؟ طلب منه والد الفارس الإفراج عن ابنه، والغفران له، والعفو عنه، أجابه الرئيس الأسد: "باسل سجنه، وباسل يطلق سراحه".

حكاية تداولها السوريون طوال عقدين من الزمن. لانعرف مدى صحة هذه الرواية الشفوية، لكن تُروى على أنها حقيقة. تُروى مراراً، وفي كل مرة، يكون طعمها على اللسان مرّاً، جارحاً. قصة الفارس الشجاع البارع بترويض وتطويع أكثر الأحصنة تمرّداً، الذي حصد جوائز عدة، وكان قريباً من باسل الأسد، باتت كالخرافات التي يتداولها أهالي القرى عن وحوش بعدة رؤوس تزور الضيعة ليلاً وتلتهم أفراد العائلة دفعة واحدة بأفواهها المتعددة. يؤلفونها لتؤرق لياليهم، لتصبح أثمان السعادة ضئيلة وفي متناول اليد، فتتحول النجاة من تلك الوحوش التي لم تظهر ولا مرة، أمراً يجلب الفرح والغبطة.

إلا أن حكاية عدنان قصار الذي اعتقل سنة 1993 بتهمة "امتلاك متفجّرات والتخطيط لاغتيال باسل الأسد"، لم تكن أسطورة ولا خرافة. فيها الكثير من الصحة. كانا صديقين. فارسان يمتطيان حصانيهما جنباً إلى جنب. يخوضان السباقات في نفس المنتخب.

"باسل سجنه وباسل يطلق سراحه". وباسل مات! وذكرى وفاته باتت ذكرى سنوية. تتضمن الذاكرة الشفوية لأحد المعتقلين، أن عدنان كان يساق في الذكرى السنوية إلى أقبية السجن ويتعرّض إلى تعذيب عنيف. رضوض سنوية في الجسم وكسر في الفكّ السفلي وتقرّحات. "رأفة" السجانين جعلتهم يكتفون بيوم واحد من السنة، لتذكيره بصديقه الذي رحل من دون أن تموت قصته. باسل الذي تحول بدوره إلى أسطورة وأيقونة تتلخص بتحويل أسماء مستشفيات عدة ومدارس وأندية رياضية إلى اسمه. مرة، كنت أقف في الزقاق الضيّق حيث تقع "محكمة أمن الدولة" وحيث كان يساق معتقلو الرأي في باصات كبيرة لتقديمهم إلى محاكمات تعسّفية ويدافع عنهم محامون شرفاء لا تقدّم مرافعاتهم ولا تؤخر. ذلك الزقاق، يوحي لزائره بالانفصال عن الواقع وبالتسلّل إلى عالم من الوهم حيث كل الطقوس الوهمية تقام بجدية مفرطة وكأن الزقاق هو زقاق العدالة وليس "محكمة أمن الدولة". هناك، في ذلك الشارع، عبر باص مملوء بالسجناء، ينزلون منه مكبلّين بعضهم إلى بعض كالقطيع. على زجاجه الخلفي، كتبت عبارة: "كلنا باسل". وقد يتساءل العابر لماذا يسجنوهم إن كانوا: كلهم باسل!

يحكى أيضاً، إن عدنان تنقّل بين كل السجون. وظلّ يحلم بالخروج وممارسة الفروسية من جديد. يحرص على الحفاظ على لياقته فلم يتوقف عن لعب الرياضة. يرسم بالفحم رؤوس أحصنة عرفها في يوم من الأيام. يعلّم السجناء اللغة الإنكليزية التي درسها في لندن. من لندن إلى منتخب سورية للفروسية إلى السجن.

كان مطلوباً منه أن يفشل. أليس بارعاً بترويض الخيول؟ كان عليه أن يتواطأ مع خيله ويدجّنه ويروّضه على القفز المرتبك وإسقاط الحواجز والتمرّد وخسارة المباراة. إنه الترويض على الخسارة وتحمّلها، واعتبارها طوق نجاة. فشل عدنان في تلك المباراة ليس مهمّاً. ليست سورية هي القضية ولا منتخبها ولا تميّزها بأي رياضة أو عمل إبداعي. المهم ألا يخسر باسل الأسد. وقد خسر في ذلك اليوم، بعد أن فوّت نقاطاً عديدة وكاد المنتخب السوري يخسر، لولا البراعة التي أظهرها عدنان في المباراة نفسها محققاً الفوز لكليهما.

نحن لا نعرف الكثير عن عدنان. وليس ثمة صور واضحة له. إن حاولنا البحث عن إسمه في غوغل مثلاً، سنعثر على صور باسل الأسد ممتطياً حصانه بلباسه الرسمي. عدنان لا يمتلك صورة. لا وجود له. خبّأه باسل في إحدى السجون قبل 21 عاماً. صورة وحيدة سرّبت له بعد الإفراج عنه البارحة. والده الذي زار الرئيس وطالب بابنه، توفي بعد سنوات. هرب أخوه بعد مضايقات عديدة. عنده صبي وبنت. كانا صبياً وبنتاً. الآن هما شابان بالتأكيد. وعدنان الذي دخل السجن في الثلاثينات ربما أو الأربعينيات، يخرج اليوم وقد كبر عشرين عاماً على دفتر العائلة. لكننا لا نعرف كيف حفرت تلك السنوات جسمه وشكلت ملامحه من جديد. ربما بات عجوزاً وربما فقد نظرته التي لم تر طوال تلك السنوات أبعد من حائظ السجن.

ليس في سورية كلها من طالب به. لا وجود لمؤسسة رياضية تحميه وتدافع عنه. القاضي الوحيد القادر على الإفراج عنه كان باسل الذي مات فماتت معه قضية اعتقاله، ودفنت معه مفاتيح الزنزانة. البارحة، أفرج عن عدنان. لم يفرج عنه باسل. الثورة هي من أفرجت عنه. وليس هذا الكلام عاطفياً. بل جملة يجدر بكل من يفقد عزيمته ويتمنّى العودة إلى سنوات ما قبل الثورة، أن يتذكرها، ويردّدها مراراً، كما ردّد قبلها حكاية عدنان قصار وحكايات أخرى كثيرة.