عرسال السوريّة والفخ اللبناني

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

13/ 08/ 2014
العربي الجديد

تتفق جميع الفصائل السورية المسلحة في منطقة القلمون على أن بلدة عرسال اللبنانية (السوريّة) الحدودية هي رئة الثورة ومتنفسها الوحيد المتبقي، وتجمع غالبيتها، بما فيها جبهة النصرة، على أن دخول البلدة خطأ أضر بها، وبالثورة السوريّة بشكل عام. في ضوء ذلك، تطرح الأسئلة؛ ما الذي جرى في عرسال؟ ولماذا استدرجت الفصائل السوريّة إلى معركة جانبيّة، لم تفكّر جديًا في خوضها، إذا لم يكن في المستقبل، فالآن على الأقل؟

السياق الذي جرت فيه المواجهة في عرسال، ولا نستحضر هنا نظريّة المؤامرة، يدل على أنها لم تكن "أزمة طارئة" تفاقمت، أو "كرة ثلج" تدحرجت من فراغ، فخلّفت كارثةً وراءها. فقد كانت "أزمة عرسال"، بقصد أو من دونه، المَخْرَج الذي توافق عليه الفرقاء اللبنانيون لتحريك مياههم الراكدة، وملفاتهم العالقة.

مطلع ديسمبر/ كانون الأول 2013، نشر المركز العربيّ للأبحاث ودراسة السياسات، ورقة تقدير موقف بعنوان "معارك القلمون .. حسابات أطراف الصراع ورهاناتها"، خلصت إلى أن القلمون معركة حزب الله بالدرجة الأولى، وحسمها يقتضي خوض أربع جولات رئيسية داخل سورية هي؛ المدن على الطريق الدولية، يبرود، رنكوس، الزبداني. وجولةً خامسةً داخل الأراضي اللبنانيّة؛ أي في عرسال. ويلاحظ المراقب لسير المعارك في القلمون التراتبية السابقة، وموقع عرسال فيها. فمنذ معركة يبرود في مارس/آذار الماضي، بدأ حزب الله بالتجييش ضد عرسال، من خلال أغنيته الإشكالية ذات الدلالات الطائفية "احسم نصرك في يبرود"، أو في تصريحات لقادة للحزب، ركزت على البلدة مركز انطلاق للسيارات المفخخة، والتي استهدفت مناطقه مرات.

تقع عرسال ضمن الجغرافيا اللبنانية. ولكن، إذا قاربنا المسألة من زاوية اقتصاديّة (حركة التبادلات التجارية والاقتصادية)، واجتماعية (العادات، والتقاليد، صلات القربى، وخصوصيتها الطائفية أيضاً) نجدها أقرب إلى أن تكون "سورية". الأمر الذي أهل عرسال، دون غيرها من قرى البقاعين الأوسط والشمالي، لاستقبال اللاجئين السوريين. وبخلاف الأصوات، واللافتات والتصريحات العنصريّة، لم تشتك البلدة من اللاجئين (100-120ألفاً)، بما يفوق عدد سكانها. ونتيجة لذلك، تعرض أهالي عرسال ومختارها لانتقادات كثيرة من قوى وشرائح مجتمعية لبنانية، وطرأت، لاحقًا، موجة حب مفرطة ومصطنعة للبلدة وناسها، تستند إلى هوية وطنية، اكتُشفت فجأة، في دولة ومجتمع لا تزال الطائفة ركناً أساسياً فيهما.

قُدِّرَ لعرسال، وكما للثورة السوريّة، جيش لبنانيّ منحاز، تجمع عليه القوى السياسيّة اللبنانية شكلياً، لكنها تتنافس على من يستأثر به. أما قيادته، ممثلة بجان قهوجي، فعينها، ومنذ بدء الفراغ الرئاسي، على منصب الرئاسة، فكما هو متعارف عليه لبنانيًا، يُمنَح هذا المنصب، وفي أوقات الأزمات وغياب الإجماع، لقائد الجيش التوافقي، بعد أن يسجل في رصيده "معركة إنقاذية" للبنان الكيان والدولة. وبناءً عليه، لم يجد قهوجيّ أفضل من مكافحة الإرهاب، ومواجهة التطرف الأصولي (حُصر باللبنانيين السنة)، رافعةً لبلوغ مراده، فخاض جولاته في صيدا وطرابلس، وأخيرًا في عرسال، مستفيدًا من أخطاء من يركب موجة الاحتجاج، ليفرغها من مضمونها، ويحيد بها إلى مسائل فرعية وطائفية، سرعان ما تأخذ شكل المواجهة المسلحة مع مؤسسةٍ، لا يريد أحد في لبنان، أن تسقط أو تتهشم، باعتبارها المؤسسة السيادية الوحيدة المتبقية.

في تفاصيل عرسال، وتفاقم أزمتها، ما يؤكد رغبة لبنانية في افتعالها. أولاً: ليست المرة الأولى التي يدخل فيها المسلحون، وعماد جمعة (أبو أحمد) قائد لواء فجر الإسلام، الذي بايع داعش حديثًا، إلى عرسال. وتؤكد جميع الشهادات أن جمعة كان يتردد إلى عرسال باستمرار، ويمر ويفتش على حواجز الجيش اللبناني. كما أن اعتقاله، وإن كان سبب الأزمة المباشر، لا سيما بعد أن استهدفت مجموعة تبايع جبهة النصرة أحد الحواجز العسكرية، لم يكن سبب تفاقمها. فرد الجيش اللبناني، وقصفه العشوائيّ مخيمات اللاجئين هو السبب الرئيسي الذي أذكى الأزمة وأججها، خصوصاً بعد صمته على القذائف والصواريخ، التي تنهال من قرى لبنانية، مؤيدة لحزب الله، على عرسال ومخيماتها. وبدلاً من أن تبادر قيادة الجيش إلى احتواء المشكلة، جيشت لمعركة حاسمة، وبمسميات عريضة ضد "الإرهاب".

بالغ اللبنانيون في قضية الإرهاب، وكانت هذه المبالغة مقصودة وممنهجة. فبخلاف الروايات الرسمية والشعبية اللبنانية، والتي تحدثت عن دخول تنظيم الدولة إلى لبنان لاحتلاله، وإلحاقه بالخلافة، التي أعلنها في العراق وسورية، دخل مقاتلو التنظيم المذكور وكذا جبهة النصرة، وعلى الرغم من خصومتهما، إلى عرسال، برفقة مقاتلين سوريين آخرين، ينتسبون إلى فصائل سورية إسلامية ومن الجيش الحر، وذلك بعد نداءات استغاثة من أهاليهم وعائلاتهم الموجودة في عرسال، والذين وجدوا أنفسهم تحت وابل من قذائف لا يعرف مصدرها.

كانت الفصائل السوريّة تدرك أن عرسال "فخ" نصب لها لاستدراجها، وأن دخولها سيفيد حزب الله بالدرجة الأولى، على اعتبار أن هذه المعركة ستشغلهم عن استنزاف حزب الله في القلمون السوريّة، لا سيما وأنها ألحقت به خسائر بشرية كبيرة في الأشهر الأخيرة، كما أن دخولها عرسال سيمنح حزب الله الفرصة لتأكيد روايته عن حماية لبنان استباقياً من الخطر السوريّ. على الرغم من ذلك، اتخذت هذه الفصائل القرار بالدخول، لا على حسابات استراتيجية، بل حمية وخشية على ذويهم وأقاربهم. ومنذ دخولها، وعلى الرغم من اشتباكها مع الجيش اللبناني واختطافها جنوداً، حرصت على التجاوب مع مبادرة هيئة علماء المسلمين، للانسحاب من عرسال مقابل ضمانات. ونؤكد، هنا، أن من عرقل خروج المسلحين وانسحابهم هو الجيش والقوى السياسية اللبنانية، وليس الفصائل السوريّة. وبلغ الأمر بالجيش، وبمدفعية من قرى قريبة من عرسال، أنه قصف الوفد المفاوض لتعطيل العملية.

في المحصلة، وبقصد أو  من دونه، كانت أزمة عرسال "الفخ" الذي نصبه جميع الفرقاء اللبنانيين، وأجمع كل منهم على أن الأزمة فرصة ومخرج لأزماته؛ شرعن حزب الله، ولو مؤقتاً، حربه في سوريّة، واختفت أو خفتت المطالب بانسحابه. وراكم قائد الجيش، جان قهوجي، رصيدًا سياسيًا قد يؤهله لاستنساخ تجربة سلفه، ميشيل سليمان، بعد أحداث مايو/ أيار 2007. وظّف ميشيل عون، وصهره باسيل، الأزمة العرسالية ليصعد من هجومه "العنصري" على اللاجئين، من دون أن ينتقد من كان السبب في لجوئهم. منحت عرسال وليد جنبلاط فرصة لاستدارةٍ، كان ينتظرها منذ زمن، فزار الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله، وغيّر خطابه ومواقفه. عاد سعد الحريري، الزعيم الغائب بحكم التهديدات، مزودًا بـ"خرجية سعودية محرزة" لصرفها على الجيش والمؤسسات الأمنيّة بإشرافه، عله يستعيد نفوذً والده، والذي لم يستطع المال، في غياب الكاريزما، المحافظة عليه.