عقم السياسات والمواقف حيال غزة

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

30/ 07/ 2014
العربي الجديد
المؤلف: 

مع تدحرج العدوان الهمجي المتمادي على غزة، تدحرجت لغة المعتدين وحلفائهم، وباتوا يطالبون بنزع سلاح المقاومة، ما يعني أنهم عازمون على التوغل في الجريمة، وإقامة مجزرة كبرى، بعد أن تورطوا مع الآثام، وباتوا عازمين على استثمار هذا التورط، للمضي إلى أقصى حدود الجناية ضد الإنسانية، بلونها ورمزياتها الفلسطينية!

في هذه الأثناء، غاب حتى العنفوان اللفظي عن دنيا العرب، وبدت حشرجات الحاكمين ذات لغة معطوبة. ليت طربوشاً من العالم العربي قال ربع ما قاله المرشد الأعلى في إيران، في خطبة صلاة العيد، ولو من قبيل مواساة ذوي الضحايا الشهداء في غزة النازفة. بل إن فلسطين نفسها، في اللغة السياسية العربية، باتت موضوعاً لتأويل معناها. ويتقابل في الإطار العربي الشعبي، منطقان ناقصان، واحد جعل أولويته التركيز على ضرورة المقاومة واستمرارها في إطلاق النيران، لأن هذه هي الوسيلة المتاحة للدفاع عن النفس، ويمر من باب التفصيل على الكارثة، وعلى الجريمة المتمادية، وآخر يركز على الكارثة الإنسانية، بمعناها الفيزيائي، ويتجاهل سائر المعاني المتعلقة بالحياة نفسها، على اعتبار أن حرية الحركة والانفتاح على العالم وحق الفلسطينيين في تحديد خياراتهم للحكم وخياراتهم السياسية.

أما على الصعيد الرسمي العربي، فإن السجال يدور، بين منطقين، واحدهما أقرب إلى المنطق الشعبي الأول، والثاني أقرب إلى المنطق الثاني. وما يجمع المنطقين المتساجلين أن كليهما، في مبادراته ومقارباته، يعتمد لغةً ذات مفردات أبعد ما تكون عن الحيثيات السياسية، وعن جوهر القضية الفلسطينية التي تسبب انسداد الأفق أمامها، في كل هذه النوائب. فالحديث يجري، الآن، عن الهدنة، بمفردات الكارثة والإغاثة. فالطرف العربي المتعاطف مع فلسطين ضد الجرائم يتعاطى بهذه المفردات دون غيرها، ويركز على صيغةٍ، تضمن وقف الاعتداءات على المدنيين ورفع الحصار عنهم، ومن لديه لغة أخرى وهمماً جاهزة للفعل فليتفضل. أي إن دم الطفل والمرأة والشيخ هو عنصر الزخم الوحيد في هذه الجهود. فليس ثمة مضمون سياسي، ولا شىء يتعلق بالحقوق الوطنية الثابتة، حتى في الصيغ المقترحة لتعديل المبادرات. فإن كان الأمر على هذا النحو، بمفاعيل الواقع المزري الذي بات فاجعاً؛ يأخذنا التمني إلى مقارنات جارحة: ليت ورقة فلسطين السياسية تكاملت، وتعززت بوحدة الكيانية، نواة الدولة المستقلة. عندئذٍ، كان أقل ما يُسترضى به الفلسطينيون، حتى مع الانسداد السياسي مع حكومة المستوطنين والقتلة؛ هو تلبية المتطلب الإنساني المتعلق برفع الحصار ووقف الهجمات. ومع غياب وحدة الكيانية الفلسطينية، على النحو الصحيح الذي تُقره الدساتير وشروط قيام الدول، تكفّل أحد طرفي الاختلاف في مناهج العمل، بدفع الجهود وفق رؤيته إلى أقصاها، وهو محق ومضطر، حين يكون بصدد عدوان همجي.

الفلسطيني الجريح والأم الثكلى، يفوهان بكلماتٍ تكمن في معانيها الضمنية، صرخة استنكار للاستنكاف العربي عن النصرة ولقعود الجيوش ولا مبالاتها. غير أن حقيقة فقدان الأمل، على صعيد الزحف للنُصرة، إن لم يقلها المتألمون، فإن الصمت والسكون والرزايا في العالم العربي، تتكفل بقولها. والمقاومة الفلسطينية، على الرغم من بسالتها، إن حققت نوعاً من الأداء الشجاع الذي يوازن رعب العدوان، ونجحت في إيلام المعتدين، وفي الاستحواذ على ربح معنوي، بالبرهنة على جبن العدو في المنازلة المباشرة؛ فإنها لن تحقق ربحاً سياسياً، وهذه الحقيقة تدل عليها الصيغ التي يتقدم بها طرفا السجال الإقليمي حول التهدئة ووقف العدوان. هنا، لا بد من القول إن بناء وحدة الفلسطينيين على رؤية استراتيجيةٍ، يجتمع عليها الفلسطينيون، هو ضمانة الحفاظ على مبدأ الحق في المقاومة، قرين مبدأ الحق في الحرية والاستقلال. إن وحدةً كهذه، هي ملاذ الفلسطينين، وهي الخطوة الأولى، لأخذ المعادلات العربية إلى واقع أفضل!

ثمة أمر آخر، يمكن الإشارة إليه على سبيل التذكير وللعبرة. فإن كان لدى الرسميات العربية من الهواجس والنزعات والخصوصيات والحسابات، ما يمنع ذهابها إلى وفاق على استراتيجية للأمن القومي، لكي لا تُمتهن هذه الأمة، ويُسفك دمها وتُستباح؛ فما الذي يمنع وحدة القوى المقاومة من التساند؟ فمن الوجهة النظرية، وبحكم الواقع الميداني على تخوم فلسطين، هناك قوة في لبنان، تقول إن منهج حياتها هو المقاومة، وإنها أيقونة ما يسمونه "المحور" المنسوب إليها. هذه لم تكتف بقدرتها البليغة على تعطيل عمل الدولة، بشفاعة عنوان المقاومة، بل ذهبت إلى سورية لإحباط مسعى الشعب السوري إلى الحرية، ولضمان ديمومة الاستبداد. فما هو الأوجب أن تهب هذه القوة لمساندة غزة بالنيران، أم تهب بكل جيشها، لمساندة الديكتاتورية؟

ربما هنا، يكمن المثال الأبلغ على خداع السياسات والمواقف وعقمها. والفلسطينيون حيال أوضاع كهذه، مطالبون بجعل ملاحقة مجرمي الحرب، جوهر عملهم السياسي واتصالاتهم الدولية، لا سيّما وإن العملية السلمية فاشلة وميئوس من نجاحها، ولا تستحق الملاحقة والتركيز!