علماء آثار يدربون "رجال النُصُب" لينقذوا تاريخ سورية

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

6/9/2014
national geographic
المؤلف: 

 

(ترجمة السورية)

وسط الدمار وخطر الحرب الأهلية، علماء آثار ونشطاء سوريون يخاطرون بحياتهم في معركة ضد نهب الأثار.

تقع مدينة "دورا أوروبوس" الأثرية على مقربة من نهر دجلة على بعد أميال عن الحدود السورية مع العراق. حيث تواجه جدرانها الطينية فسحة كئيبة من الصحراء.

منذ عام واحد فقط كانت شبكة شوارعها الدقيقة – التي أنشأت من قبل سكانها اليونان والرومان منذ ألفي عام مضت – كانت سليمة إلى حد كبير. معابد وبيوت ومخفر روماني كبير تحدوا لقرون رمال الصحراء.

قال "سايمون جيمس" عالم الآثار من جامعة "ليسيستر" في المملكة المتحدة والذي أمضى سنين بدراسة الحامية الرومانية في هذا الموقع: "لقد امتازت بحفظها الرائع......... إلى الآن"

الصور الفضائية للموقع التي أطلقتها وزارة الخارجية الأمريكية في حزيران تظهر صوراً صاعقة للدمار الذي حل بالمكان. ففي العام الماضي وبينما تواصل القتال بين قوات بشار الأسد والفصائل المعارضة – بما فيهم الدولة الإسلامية في العراق والشام – تم تدمير الموقع عن طريق نهب ذي مستوى محترف.

يقول جيمس: "إنه منظر صاعق لأكوام الغنائم، من الواضح أن النهابين كانوا ممولين إلى حد هائل ليستطيعوا القيام بشيء كهذا".

ربما قد فات الأوان لإنقاذ "دورا أوربوس"، لكن علماء الآثار والناشطين يجهدون لحفظ ما تبقى من تاريخ سورية الغني، العائد إلى أكثر من عشرة آلاف عام. وتتركز الجهود على تدريب الأهالي المحليين على حفظ النُصب الأثرية ومجموعات المتاحف الواقعة وسط منطقة الحرب.

ومن خلال مؤسسات تضم مركز حفظ التراث التابع لجامعة بينسلفانيا والمجلس الدولي للنُصب والمواقع (ICOMOS)، وإرث للسلام، وهو عبارة عن شبكة من النشطاء والمتطوعين متركزة في إسبانيا، قام المختصون بهذه المؤسسات بفتح ورشات للعمل لتدريب علماء الآثار وأمناء المتاحف والناشطين السوريين في "الإسعاف الأولي للقطع والمواقع"، كما تقول إيما كونليفي، المستشارة الأخصائية بحماية التراث خلال الصراعات.

وسط الحرب التي قتلت أكثر من 190 ألف شخص إلى الآن، قد لا تبدو الآثار العائدة لآلاف السنوات والمتاحف المغبرة أولوية. لكن علماء الآثار يقولون بأن حفظ تاريخ سورية مهم لتعافي البلاد في يوم ما من تخريبات الحرب الأهلية.

يقول جون رسل المستشار الأمريكي الذي يساعد البلدان في حماية كنوزها الأثرية "إن السياحة الثقافية كانت ركناً أساسياً في الاقتصاد السوري قبل عام 2011، ومن المهم أن نحفظ قدر ما نستطيع مقدرات هذا الاقتصاد للسوريين في المستقبل".

تعلم حفظ التاريخ

في ورشة عمل حديثة أقيمت في تركيا، قرب الحدود السورية، قام أمناء وخبراء ترميم بتعليم السوريين تقنيات حماية طارئة، مثل تغليف السيراميك والفسيفساء بمادة خاصة تسمى Tyvek، وهي عبارة عن بلاستيك قوي وخفيف الوزن يستخدم في البناء، قبل دفنها أو تعبئتها بأكياس من الرمل. المشاركون في ورشة العمل تركوا مؤناً من الـ Tyvek وأغراضاً أخرى يصعب الحصول عليها، مثل الصمغ الخاص بالمتاحف في سورية.

يقول براين دانيالز، مدير الأبحاث في مركز الإرث الحضاري الخاص بجامعة بينسلفانيا في فيلاديلفيا: "إن فعل هؤلاء الأشخاص يدل على مدى التزامهم، فقد استطاعوا الخروج من سورية بأمان ثم عادوا مرة أخرى".

عادوا لأماكن مثل متحف معرة النعمان في محافظة إدلب، الذي يحوي مجموعة لا تقدر بثمن من الفسيفساء الهشة العائدة إلى الفترة المسيحية والبيزنطية المتأخرة في سورية. خلال العام الماضي تعرض المتحف لاعتداءات متكررة، وعانى من الضرر بسبب البراميل المتفجرة وغارات من قبل الدولة الإسلامية (المسماة أيضاً داعش) وثوار النصرة.

يقول دانيالز: "الأهالي المحليون يقولون إن إنقاذ هذه القطع هو الأهم لأنها تعبر عنا". ولكن ونظراً للظروف الخطرة في البلاد، فإن الخيارات لحفظ مثل هذه المجموعات تبقى محدودة.

يقول: "كل ما نستطيع فعله هو العمل على استقرار حالة الآثار وإخفائها، وإعطاء بعض التدريب في مجال الحفظ والترميم الطارئ، نحن نتحدث عن حفظ المجموعات والقطع عندما تكون الأشياء منهارة من حولك. إنه عمل كئيب نوعاً ما".

التقارير من داخل سورية، وكذلك الصور الفضائية مثل تلك الخاصة "بدورا أوروبوس" تبدي مقدار كآبته الواقعية. المقابر المسيحية خربت بأيدي مقاتلي الدولة الإسلامية، والمقاتلون من كلا الطرفين في الصراع السوري استهدفوا المساجد والكنائس التاريخية، وبشكل خاص المآذن وأبراج الأجراس التي كان يختفي فيها القناصة.

بعض أهم المواقع التاريخية في سورية، خلال ذلك قد وقعت ضحية للقتال. المركز التاريخي في حلب، المشهور عالمياً بهندسته العربية العائدة للعصور الوسطى، قد دمر بسبب القتال العنيف في أيام الصراع الأولى. قلعة الحصن أو كراك دو اوسبيتال استخدمت كمعقل للثوار وقُصفت من قبل قوى النظام المهاجمة. وحتى الآثار الأيقونية لمدينة تدمر العائدة للعهد الروماني لحق بها الضرر جراء نيران الدبابات والأعمال العسكرية. وكل هذه المواقع مدرجة كتراث عالمي من قبل اليونسكو.

بيع التراث

الصور الفضائية "لدورا أوربوس" ولمواقع أخرى تظهر أن النهابين كان لهم مصادر وخبرة هائلة، دون ذكر المعدات الثقيلة.

يقول راسل المستشار في وزارة الخارجية: "لا بد من وجود عشرات المتورطين، ولا بد من أنهم كانوا يعثرون على أشياء شجعتهم للاستمرار بالحفر، إنه لمن المدهش أن تقوم بنبش مدينة أثرية متوسطة بكاملها".

ربما كان الصراع في العراق المجاورة أساساً لتدريب عصابات النهب المنظمة.

تقول سلام القنطار، عالمة آثار سورية غادرت البلاد في عام 2012 وتعمل الآن في متحف بن: "النهب هو فرصة عمل قد توفرها الحرب، لكنها تتطلب وقتاً لإنشاء شبكات ولفهم المحيط المحلي".

النهب الواقع ما بعد الاحتلال في العراق أغرق السوق السوداء بألواح طينية بابلية وسومرية، لفتت انتباه السلطات العالمية، لكن النهابين السوريين يستهدفون المواقع ذات الصلة باليونان وروما القديمة.

تقول القنطار: "القطع الكلاسيكية بيعها أسهل، لأن الأشكال الرومانية قد تأتي من أي مكان، الألواح أصعب للتسويق بسبب الانتربول".

رموز لماضٍ متسامح

لمساعدة السلطات العالمية مثل الانتربول لإعادة التحف المسلوبة، فقد قامت وزارة الخارجية الأمريكية الشهر الماضي بمنح 600 ألف دولار للمدرسة الأمريكية للأبحاث الشرقية لتقوم بتسجيل شامل لكل المجموعات في المتاحف السورية والمواقع الأثرية.

هذا الدليل سيساعد العملاء والمحققين لتطبيق القانون حيث سيتم تمييز القطع المنهوبة وسيتم اعتقال المهربين، وكذلك فإن هذا الدليل سيزيد الوعي بخصوص هذه القطع المسروقة بين تجار التحف وهواة تجميعها.

سيستخدم المشروع أيضاً الصور الفضائية، ووسائل الإعلام والتقارير للحصول على معلومات من أرض الحدث لتوثيق مقدار الخسائر الذي تسببه الحرب الأهلية في سورية لمواقع البلاد الأثرية.

بعض هذه المواقع هي رموز لماض البلاد المتنوع والمتسامح. قبل دمارها الحديث، "دورا أوروبوس" كانت مثالاً جيداً كما يقول عالم الآثار جيمس.

"دورا بدت وكأنها مكان متسامح متعدد الثقافات والأديان، المسيحيون واليهود والوثنيون عاشوا فيها جنباً إلى جنب. الجنود الرومانيون أطلوا من جدران المدينة على الكنيس وأطلوا على كنائس المسيحيين".