علم الشيخ الجولاني

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

2018-11-16
العربي الجديد
المؤلف: 

يحتل الشيخ أبو محمد الجولاني موقعاً خاصاً في المشهد السوري منذ عام 2013. وبرز دوره في قيادة جبهة النصرة، خلال السنوات الماضية، في عدة محطاتٍ رئيسية، وخصوصاً في معركة حلب صيف عام 2016 التي انتهت بالهزيمة، وتسليم المدينة للنظام والروس، ومن ثم في ريف دمشق والغوطة ودرعا التي شهدت مآلات حلب الكارثية نفسها. وهو يشكّل، مع تنظيمه، عقدة الوضع في إدلب، في لحظة هي من أدق اللحظات التي عرفتها الثورة السورية، والحراك المسلح الذي رافقها.

سيرة الجولاني الشخصية يغلب عليها الغموض، لكن المعروف منها يفيد بأنه من الجيل السوري الذي ولد في بداية الثمانينات التي شهدت المواجهة الكبيرة بين الإخوان المسلمين والنظام، وانتهت بهزيمة الإخوان. التحق بالعمل الجهادي في العراق عام 2003 حين كان عمره 22 عاما، ضمن المتطوعين الذين كان يرسلهم أبوالقعقاع لمحاربة الاحتلال الأميركي، بالتنسيق مع الأجهزة السورية، وهناك انضم إلى تنظيم القاعدة بقيادة أبو مصعب الزرقاوي.

وتزعّم الجولاني جبهة النصرة، التنظيم السوري للقاعدة، وبات الوكيل المعتمد من خليفة أسامة بن لادن، الشيخ أيمن الظواهري. وضم التنظيم، إلى السوريين، أردنيين ومصريين وجنسيات أخرى، وشكل حالة خاصة تمكّنت من اختراق الثورة السورية، وحجزت لنفسها مكاناً على الأرض، يعود السبب فيه إلى أنها قدّمت نفسها فصيلاً هدفه الرئيسي مقاتلة النظام السوري فقط، من أجل أن يقبلها الوسط العام، وتتمكّن من بناء نفسها في المحيط السوري.

لا يتميز الجولاني كثيراً عن بقية رفاقه الذين ساروا على طريق بن لادن، وخليفته الظواهري، فهناك أمر واحد يجمع هؤلاء، ويوجه تفكيرهم، هو البعد عن رؤية الهدف الأساسي. وهم، على الدوام، يصوّبون في الاتجاه الآخر. وبدلاً من أن يهاجم إسرائيل، كانت مفاجأة بن لادن، في 11 سبتمبر/ أيلول 2001، توجيه ضربةٍ للولايات المتحدة الأميركية، جاءت بنتائج كارثية على العالم ككل، ودفع المسلمون والعرب ثمنها غالياً. وكان أنها شكّلت ذريعةً للرئيس الأميركي الأسبق، جورج بوش، لاجتياح العراق واحتلاله، وإيصاله، في نهاية المطاف، إلى ما هو عليه.

ظهر تنظيم القاعدة في العراق بقيادة الزرقاوي، لا ليقاوم الاحتلال الأميركي، بل ليشعل حرباً طائفية، وتطور وضعه ليتمدّد إلى سورية، ويتصدّر المشهد منذ بداية 2013 بفرعه الذي قاده العراقي عواد البدري (أبو بكر البغدادي)، والذي صار يعرف "داعش". والثاني الأقل أهمية بقيادة السوري الجولاني، ودخل الفرعان في حروبٍ عبثية تشبه حروب البعثين، العراقي والسوري، لكنهما التقيا عند هدف محاربة الثورة السورية وتخريبها، وتحويل سورية إلى قاعدة لاستقبال الإرهابيين من شتى أنحاء العالم، وبدعم من أجهزة مخابرات دولية، ذات مصلحة بالقضاء على الثورة.

استغرب كثيرون أن يصدر الجولاني، منذ أيام، نسخةً من علم الثورة السورية الذي بات متعارفاً عليه. ومصدر الاستغراب ليس فقط وضع الشهادة في بطن العلم، ما يعني أنه يعد السوريين بدولة إسلامية، وهم مجتمع تعدّدي أولاً، وثانياً هم لم يثوروا أصلاً من أجل بناء دولة إسلامية. وهذا آخر اهتمامات الأكثرية السورية. أكثر ما لفت السوريين في قصة العلم أن الجولاني الذي رفض رفع علم الثورة في المناطق التي كان يسيطر عليها رفعه اليوم، بعد أن أضاف له لمسته الخاصة.

بعيداً عن نظرية المؤامرة، واعتماداً على تجربة السنوات المنصرمة، فإن الجولاني لا يصدر عن فراغ، وهو في كل خطوة يخطوها يمشي نحو هدفٍ محدّد، ولا يختلف اثنان اليوم على أن رفع علم "القاعدة" على المناطق المحرّرة من سلطة النظام السوري والروس مقدمة لخلط الأوراق، وتقديم ذريعة لإنهاء آخر وجود للمعارضة المسلحة وغير المسلحة، فاعلة كانت أو غير فاعلة، والمهم هنا طيّ هذه الصفحة.