عندما انحرفت بندقية حزب الله

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

23/1/2015
العربي الجديد

شتان شتّان بين موقف الجماهير العربية من حزب الله، إلى بضع سنين خلت، وموقفها منه اليوم. فحتى انطلاقة الثورة السورية في مارس/آذار عام 2011، كان الحزب وقائده، الشيخ حسن نصر الله، رمزين من رموز الكرامة العربية التي كانت، وما زالت، تبحث عن تجسيدها. حينها، كانت الغالبية تتجاوز عن حقيقة هوية الحزب الشيعية، لصالح ما يمثله من تيار مقاوم، غير أن ثورة سورية هشمت صورة الحزب المقاوم، المتعالي على المذهبية، وذلك بعد أن سقط في مصيدة الطائفية، والانحياز لصالح نظام قمعي طائفي ضد تطلعات شعبه.
عملية الاغتيال التي نفذتها إسرائيل، عبر غارة جوية، الأحد الماضي، ضد مجموعة من قيادات الحزب وكوادره، بالإضافة إلى عناصر من الحرس الثوري الإيراني، في مدينة القنيطرة السورية، قرب الجولان المحتل، أبرزت التحول الكبير في الموقف والمزاج الشعبي العربي، بغالبيته السنية، من الحزب وراعيه الإيراني. فمواقف الشماتة كانت واضحة في تعابير كثيرين ونبرتهم، ذلك أن الحزب وإيران حرقا جُلَّ مراكبهما مع جماهير عربية كثيرة. وليس صحيحاً، هنا، أن من شمت في حزب الله وإيران انطلق في موقفه من افتراض أن إسرائيل حليف، أو أنها أقل عداوة للعرب منهما. بل إن منطلق عدم التعاطف، على الأقل، جاء تعبيراً عن انحراف بندقية حزب الله، تحديداً، عن وجهتها الأساس، والتي كانت السبب الرئيس لتلك الشعبية الهائلة التي كان يتمتع بها حتى وقت قريب.

وإذا أرادت إيران وحزب الله أن يفهما حقيقة التغيير في المزاج الشعبي العربي منهما، فليس عليهما أن يذهبا بعيداً، فبيان الحرس الثوري الإيراني الصادر تعليقاً على الغارة الصهيونية يقدم الجواب الشافي. فحسب البيان الذي نشرته "وكالة أنباء فارس" الإيرانية، شبه الرسمية، يوم الاثنين (19/1)، ونعى فيه الحرس الثوري مقتل أحد قادته في الغارة، العميد محمد علي الله دادي، فإن الأخير "كان موجوداً في سورية، في مهمة استشارية لدعم الحكومة والشعب"حينما كانت المقاومة موجهة ضد الاحتلال الصهيوني، فإن الجماهير العربية رفعت حزب الله ومن ورائه إيران. وعندما انحرف سلاح حزب الله، خسر المكانة المرموقة التي أسكنته إياها الجماهير العربية من قبل" السوري لمواجهة الإرهابيين التكفيريين-السلفيين". أي أنهم لم يكونوا في "مهمة جهادية" ضد إسرائيل. ولا تغني، هنا، المزاعم التي يوردها البيان من أن الثورة في سورية ما هي إلا "جرائم ومؤامرات صهيونية إرهابية".
وضمن السياق نفسه، يأتي كشف الحزب عن أن أحد قتلاه في الغارة الصهيونية هو القيادي محمد عيسى. المفارقة هنا، أن هذا القيادي، والذي قاوم إسرائيل من قبل، مسؤول في الحزب عن "الملفين السوري والعراقي"، وهذا يظهر، مرة أخرى، كم انحرف مسار الحزب وتركيزه.

إذن، من تغير هما حزب الله وإيران، أو أنهما كشفا عن حقيقة وجهيهما، لا يهم، وليس الموقف الشعبي العربي. فحينما كانت المقاومة موجهة ضد الاحتلال الصهيوني، فإن الجماهير العربية رفعت حزب الله ومن ورائه إيران. وعندما انحرف سلاح حزب الله، خسر المكانة المرموقة التي أسكنته إياها الجماهير العربية من قبل. ولعل ذلك التباين في الموقف الشعبي من استشهاد القائد العسكري لحزب الله، عماد مغنية عام 2008، في دمشق، في عملية إسرائيلية، واستشهاد نجله جهاد في العملية الأخيرة ما يؤكد المعطى نفسه. في الأمس، تعاطفت الجماهير مع مغنية الأب، ولم تختلف كثيراً حوله، لكنها اليوم، لم تتعاطف كثيراً مع مغنية الابن. فالأب استشهد في سياق مقاومة إسرائيل، في حين قتل النجل في سياق تعزيز نظام الرئيس، بشار الأسد، في سفك دم شعبه.
خلال العدوان الذي شنته إسرائيل على لبنان صيف 2006، لم تلتفت غالبية الشعوب العربية السنية إلى الفتاوى الموتورة التي صدرت عن بعض رجال الدين السنة، المُحَرِّمَةِ، حتى للتعاطف مع حزب الله، على أساس أنه "حزب رافضي". أبداً، انحازت الغالبية لفطرتها وسجيتها في رفض الظلم، وفي الوقوف مع المظلوم والمقاوم ضد عدوها الأول: إسرائيل. أم هل، يا ترى، نسينا أن أغلى وأجود تمر رمضاني في القاهرة، عام 2006، كان اسمه "تمر نصر الله"، اعتزازاً وتقديراً لزعيم حزب الله؟

العامل الطائفي لم يكن يوماً حاضراً في وعي الغالبية الجماهيرية العربية إلى أن استدعاه حزب الله، ومن ورائه إيران. أعلنت إيران وحزب الله تأييدهما الثورات العربية التي انطلقت، أواخر عام 2010، من تونس، مروراً بمصر وليبيا واليمن، واعتبراها استلهاماً لروح "الثورة الإسلامية الإيرانية". وفي حين أنهما انحازا لصالح التحرك الشيعي في البحرين، فإنهما اعتبرا الثورة السورية "مؤامرة صهيونية" و"إرهابية تكفيرية" ضد النظام "الممانع"! ولم يلبث حزب الله أن تورط في جرائم النظام السوري ضد شعبه، بدايةً، تحت ذريعة حماية المقامات الشيعية المقدسة، كمقامي السيدة زينب ورقية في دمشق، قبل أن يزعم أنه في سورية، كذلك، لإفشال المخطط الصهيوني-الغربي ضد نظام الأسد "الممانع"، وكخطوة استباقية لحماية لبنان من "التكفيريين" السنة!
نعم، ليس من مصلحتنا جميعاً، سنة وشيعة، أن يكون بأسنا بيننا شديداً، في حين تفرك إسرائيل يديها فرحاً باستنزافنا بعضنا بعضاً. ونحن، وإن كنا نُقِر مع إيران وحزب الله، أن أنظمة عربية "سنية" متواطئة مع إسرائيل والولايات المتحدة في نَخْرِ بنى المنطقة، غير أن هذا لا ينفي أبداً أن إيران أصابها الغرور، وأصبحت معول هدم في العراق وسورية ولبنان واليمن. وحزب الله، في المحصلة، ليس إلا أداة لنظام "الولي الفقيه"، لا يخرج عن طوعه، وإيران حسمت أمرها، إنها شريك اليوم، في حرب الغرب على "الإرهاب السني". بل إن نصر الله، نفسه، أعلن، من قبل، ما يشي أن حزبه شريك في "الحرب على الإرهاب" في سورية، فلماذا يطلب تعاطفاً اليوم؟

 

بكلمة، لن يشفع لإيران وحزب الله دعمهما المقاومة الفلسطينية، من أجل مصالح سياسية وحسابات استراتيجية خاصة بهما، في حين أنهما يمزقان سورية والعراق واليمن ولبنان، ويسفكان دماء أبنائهم. ففلسطين ليست نهراً يُطَهِّرانِ به إفسادهما، وهذا ما تدركه الغالبية الجماهيرية العربية. فهل يدركان هما ذلك قبل انكشافهما أكثر وفوات الأوان!؟