عن أميركا المتحالفة مع "داعش"

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

4/11/2014
العربي الجديد

منذ ظهر تنظيم الدولة الإسلامية في العراق، قبل انتقاله إلى الشام، والحديث عن عمالة هذا التنظيم لأميركا تتزايد، بل أصبحت لدى بعضهم أمراً مسلماً به، لا يحتاج نقاشاً. ثم جاء التطور الذي حصل، مؤخراً، عندما اعترفت أميركا بأنها ألقت أسلحة نوعية بالخطأ على مسلحي "داعش" في عين العرب "كوباني"، بدلاً من إلقائها على مسلحي الكرد، ليؤكد ما يذهب إليه المؤمنون بنظرية المؤامرة حتى النخاع.

وقبل ذلك طبعا، كانت علامات الاستفهام الكبيرة التي تركها هذا التنظيم في علاقته مع النظام السوري، خصوصاً بعد أن تحول التنظيم إلى قتال بقية الفصائل السورية المسلحة، تاركاً قتال النظام السوري، ما خلا بعض المواجهات والضربات التي شنها التنظيم، هنا أو هناك.

لا يخلو الحديث عن عمالة تنظيم الدولة الإسلامية لأميركا من تبسيط وتسطيح للأمور، فهو يعطيك تفسيراً جاهزاً لظواهر عديدة، ربما لا يريد بعضهم أن يقرأها جيداً، كما أنه يعفي أصحاب هذا الرأي من عناء البحث عن الأسباب التي دفعت المنطقة إلى هذا المنحدر الخطير.

وفي خلفية مشهد العلاقة بين الدولة الإسلامية وبقية خصومها، لا بد من التذكير بأن التنظيم لم ينشأ من فراغ، ولم تكن أفكاره وليدة اللحظة، فهو قديم قدم التطرف لدى الإنسان، بغض النظر عن دينه ومذهبه. وهو تطرف يبقى، في النهاية، حبيس الصدور حتى تأتيه ما يمكن أن نسميها اللحظة الفارقة التي تحول هذا المكنون إلى أفعال إجرامية.

في العراق، وعندما بدأت القاعدة تصول وتجول، أيام زعيمها أبومصعب الزرقاوي، كان التنظيم يكبر، ويحقق الانتصار تلو الانتصار. فلم تذكر أدبيات المقاومة العراقية تنظيماً كانت له سطوة وقسوة في ضرب القوات المحتلة، كما تنظيم القاعدة، والذي أراه دوماً الأب الشرعي لتنظيم الدولة.

في تلك الفترة، نجح النظام السوري في اختراق التنظيم، من خلال ضباط مخابراتٍ، تم تجنيدهم وإرسالهم إلى العراق، ليكونوا أعضاء ضمن التنظيم. بعضهم وصل إلى مراكز قيادية. غير أن ذلك لا يعني بأي حال أن يكون التنظيم ذراعاً للنظام السوري، وهنا يجب أن نفرق بين العمالة والاختراق.

وبالنسبة لأميركا، مما يجب أن نذكره، هنا، أنها دولة قادرة على انتهاز اللحظة والفرصة، فهي لا تتوانى، في أحيان كثيرة، عن تقوية عدوها، من أجل أن تعطي لنفسها الحق، مستقبلاً، ليس لضربه وحسب، وإنما، أيضاً، لتحقيق أهدافها.

عندما اندلعت الثورات العربية، لم توفر أميركا فرصة في دعم هذه الثورات، فهي لا تريد أن تظهر بمظهر الرافض لإرادة الشعوب، علما أن الجميع كان يعرف جيداً أن هذه الأنظمة العربية المهترئة، ما كان لها أن تبقى وتصمد، لولا الدعم الأميركي. ثم، وبعد أن نجحت الشعوب في ثوراتها، قادت أميركا، وبالتعاون مع أنظمة عربية أخرى، ما بات يعرف بالثورة المضادة على إرادة الشعوب العربية، حتى وصل الحال إلى ما نحن عليه اليوم.

وفي سورية، ظل الصراخ الأميركي المندد بأفعال النظام الأسدي يعلو ويعلو، حتى وصلنا إلى خط أوباما الأحمر، يوم أن استخدم الأسد أسلحته الكيماوية ضد شعبه، من دون أن تهتز واحة الديمقراطية والإنسانية، واشنطن وبيتها الأبيض، واكتفت بالتنديد والتهديد والوعيد.

اليوم، وجدت أميركا ضالتها في "داعش"، فلقد كانت أميركا ومراكزها المختصة بالاستراتيجيات تعرف أن سياسات نوري المالكي الطائفية في العراق ستقود إلى انفجار الوضع، وكانت هناك دراسات وتقارير، بعضها ميداني، حذر من احتمال سقوط مدنٍ عراقيةٍ بيد هذا التنظيم المتطرف، غير أن واشنطن تجاهلت ذلك كله، فكبر هذا التنظيم، حتى احتل مدناً عراقية كاملة.

مخطئ من يعتقد أن الولايات المتحدة لا تعرف ماذا تريد، ولا أين تذهب باستراتيجيتها، فهي التي غضت الطرف، ذات يوم، عن مليشيات الحقد التي كبرت في إيران، عندما رأت أن هناك مقاومة عراقية سنية، فجعلت أبناء الشعب الواحد يتطاحنون في وقت كانت قواتها تتفرج.

وأميركا من رأت كيف أن "داعش" كانت تكبر، بفعل سياسة التهميش والإقصاء التي مارسها رئيس الحكومة السابق، نوري المالكي، وأيضاً، بفعل الموت الأحمر الذي سلطه الأسد على شعب سورية. وذلك كله انتظاراً للحظة المناسبة، وهو ما حصل. فكان أن ساهمت "داعش" في أن تبدأ أميركا بإعادة صفوفها، استعداداً للعودة إلى العراق الذي خرجت منه مجروحة الكرامة بخسائر بشرية بلغت خمسة آلاف قتيل، وفقاً لإحصائيات وزارة الدفاع الأميركية، بالإضافة إلى نحو ثلاثة تريليونات دولار، خسائر مالية مقدرة عن سنواتها التي قضتها في احتلال العراق.

علينا أن نقنع شعوبنا بأن زمن العملاء انتهى. فيكفي أن تكون غبياً لتقدم لعدوك أفضل الخدمات، ويكفي أن تكون فاقداً للرؤية لتقدم لعدوك كل سبل الانتصار عليك.

نحتاج، اليوم، أن نتخلص من عقدة المؤامرة، إلا بحدود، لأنها حتماً موجودة، ولكن وجودها بالطريقة التي نحن نقررها. فكلما امتلكنا وعياً قادراً على المواجهة قللنا من فرضيات هذه النظرية، والعكس صحيح أيضا.