عن العام 1979

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

30 أكتوبر/تشرين الأول 2019
العربي الجديد
المؤلف: 

تحفل الذاكرة التاريخية للشعوب بذكرى أعوام معينة، تركت آثارا أو تداعيات كبيرة في حياتها، كأن نذكر، نحن العرب مثلا، عام 1948 والذي يرتبط بنكبة فلسطين، أو عام 1967 المرتبط بالهزيمة أمام إسرائيل، وانهيار المشروع القومي العربي، من بين أمثلة عديدة، طبعا. اللافت أن أعواما أخرى شهدت أحداثا كبرى، وأفرزت تحوّلات ما تزال تداعياتها تتوالى فصولا، لكنها لا تحظى بالدرجة نفسها من الأهمية، ولا أجد تفسيرا مقنعا لذلك. عام 1979 يعد أحدها، وقد حفل بأحداث ما زالت أصداؤها تدوّي في أركان منطقتنا. 

بدأ العام بتوقيع معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل في واشنطن في 26 مارس/ آذار، أي بعد 16 شهرا على زيارة الرئيس أنور السادات، القدس المحتلة، لتخرج بذلك مصر رسميا وفعليا من الصراع العربي - الإسرائيلي، وقد ترك ذلك تداعيات كبرى ما تزال مستمرة، ليس فقط على القضية الفلسطينية، وميزان القوى العربي - الإسرائيلي، بل أيضا ارتبط تأثيرها بصعود التيارات الإسلامية التي رفضت ما قام به السادات، ثم قتلته.
وفيما كان السادات يوقع معاهدة السلام في واشنطن، كان آية الله الخميني الذي عاد إلى طهران من منفاه في باريس، بعد انتصار الثورة في بلاده، يستعد لإعلان قيام الجمهورية الاسلامية في الأول من شهر إبريل/ نيسان 1979. أدّت الثورة الإيرانية إلى تحولات كبرى في الإقليم والعالم، أيقظت كل النعرات القومية والطائفية، ودشّنت مرحلة من الحروب والصراعات ما زالت مستمرة وتتفاقم. ولأن لديها مشروعا، ونظرة شمولية للعالم، فقد مالت الثورة الإيرانية الى تصدير نفسها، وإقامة مشروعها المستند إلى دولة دينية مرجعية، تربط شيعة العالم بها، لتغدو بذلك التهديد الأكبر لفكرة الدولة الوطنية في منطقتنا بعد أربعة عقود على قيامها.
لم يقتصر أثر الثورة الإيرانية على فعل تصدير الثورة، ومواجهتها، كما حصل في الحرب مع العراق، بل ألهمت آخرين، حاولوا تكرار تجربة رجال الدين في طهران في الوصول إلى السلطة، وتأسيس دولة دينية. وعليه، شهد العام ثالث أهم أحداثه عندما اقتحمت مجموعة من المتشدّدين الحرم المكي، وسيطرت عليه، بين 20 نوفمبر/ تشرين الثاني و4 ديسمبر/ كانون الأول 1979. دعت المجموعة التي قادها ضابط في الحرس الوطني السعودي، يدعى جهيمان العتيبي، إلى إطاحة العائلة المالكة السعودية، والعودة إلى "أصول الدين، وتطبيق قوانين الشريعة، والابتعاد عن البدع" التي وجدت طريقها إلى المجتمع، بسبب العلاقة مع الغرب والثراء الناتج من عوائد النفط. وعلى الرغم من تمكّن السلطات السعودية من القضاء على المجموعة، بمساعدة قوات خاصة فرنسية وباكستانية، الا أن الحادثة أدخلت الحكومة، دفاعا عن شرعيتها، في حالة تنافس مع التيارات الإسلامية، ليس فقط "لأسلمة" الدولة والمجتمع، إنما أيضا في تصدير الوهابية خارج الحدود، الأمر الذي وجد صدى أيضا في البيئتين، الإقليمية والدولية.
أبى العام 1979 أن يغادر قبل أن يكتمل عقد أحداثه بغزو الاتحاد السوفييتي أفغانستان، وهو الحدث الذي لعب دورا رئيسيا في صعود ظاهرة الجهاد العالمي. ففي ليلة عيد الميلاد (25 ديسمبر/ كانون الأول)، تجاوز الجيش الأحمر الحدود، وقام بتنصيب حكومة موالية في كابول، بعد خلافات عصفت بحكم الحزب الشيوعي الأفغاني الذي كان قد وصل إلى السلطة بانقلاب عسكري في إبريل/ نيسان 1978. على الأثر، ظهرت نظرية "الحزام الأخضر" التي تبنّاها مستشار الأمن القومي للرئيس كارتر، زبغنيو بريجنسكي، ومفادها بناء تحالفٍ من دول إسلامية لاستنزاف الاتحاد السوفييتي في أفغانستان، ومنعه من الوصول إلى المياه الدافئة ومنابع النفط في الخليج. زار بريجنسكي معسكرات المجاهدين الأفغان في باكستان، وتوصل هناك إلى صيغة لهزيمة موسكو، تقدم السعودية بموجبها السعودية المال، وتقوم الاستخبارات المركزية الأميركية بتدريب المجاهدين الأفغان، فيما تتولى مصر والمغرب شراء الأسلحة من الأسواق الدولية، أما الاستخبارات العسكرية الباكستانية فتعمل على التنسيق لوجستيًا بين جميع الأطراف على الأرض، لينطلق على أثرها الجهاد العالمي، ويستمر بنسخ مختلفة، وصولا إلى نسخة أبو بكر البغدادي.
أحداث كبرى شهدها العام 1979، بحيث يمكن وصفه بحق أنه العام الأبلغ أثرا في تاريخ المنطقة، والعالم ربما، فبعد أربعة عقود يبدو أننا لم نغادر أبدا "عتبة" ما جرى في ذلك العام الكئيب.