عواصف الجنوب السوري

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

4/7/2015
العربي21

نطلقت عاصفة الجنوب في سوريا، وانطلقت مقابلها عاصفة همجية إعلامية وسياسية مضادة لها، محاولة إيقافها وبث الفتنة بين الفصائل المشاركة في العملية، وإحباط العزائم والتشكيك بالنوايا والمقاصد، لمنع الجيش الحر من التقدم والسيطرة على مدينة درعا مهد الثورة السورية والطريق الأقصر إلى القصر الجمهوري.  

وفي هذا المقال سنلقي الضوء على ما لها وما عليها. 

1. تعتبر عاصفة الجنوب عملية تحول في مسار العمليات القتالية من الأرياف والقرى وأطراف المدن إلى قلب المدن، بشكل مكمل لمعركة الفتح التي كان من أهم نتائجها تحرير مدينة إدلب بشكل كامل من سيطرة قوات الأسد. 

2. تحرير درعا سيمكن المعارضة السورية من تأمين حدود سوريا مع الأردن، و كسب حليف إقليمي  متذبذب _الأردن - بات يشد الخطى نحو تأمين منطقة عازلة، في الجنوب السوري، لحماية حدوده من خطر تقدم تنظيم الدولة أولا، وتخفيف أعباء اللاجئين السوريين الذين باتوا يشكلون نحو ربع سكان الأردن-  وما ترتب على ذلك من أزمات اقتصادية، وضغوطات اجتماعية و ما أنذره من  تغيرات ديموغرافية مقلقة باتت تعتبر إشكالية حقيقة في الشارع الأردني- و اليوم بات حلها ضرورة أمن قومي للأردن، ولم تعد مجرد أزمة عابرة و خصوصا مع اتساع وتيرة التفجيرات التي تبناها تنظيم الدولة حديثا في عدة دول عربية و أجنبية.  

3. عاصفة الجنوب جاءت بدعم و تنسيق مع غرفة العمليات الدولية المشتركة، والتي ترأسها الولايات المتحدة الأميركية بالتعاون مع الدول التي توصف بصديقة الشعب السوري "غرفة الموك" وبالتالي فهي مطلب دولي قبل أن تكون مطلبا للمعارضة السورية المسلحة. 

4. فشلت غرفة الموك، لأنها حاولت تهميش دور الفصائل الإسلامية المقاتلة، وأهمها جيش الفتح، في تحقيق ما تصبو إليه من غربلة داخل المقاومة الشعبية المسلحة، و ذلك عبر استمالة ودعم الفصائل والكتائب التي تقييمها معتدلة، خلافا لتلك التي تتهمها بأن لها مشاريع إسلامية مخالفة لمبادئ الثورة التي لم يؤمن أي من قيادات الموك و أعضائها يوما بأهدافها و مشروعيتها. ويعود فشل الموك في تحقيق أي انتصارات تذكر من خلال الاعتماد على بعض من فصائل الحر فقط دون باقي أطياف المقاومة الشعبية و يعلل سلوكهم بتعقيد بنية الصراع في سوريا عامة وفي المنطقة الحنوبية و الشمالية منهاخاصة، و خطأ في المقومات و المعطيات التي تم على أساسها تحديد الفصائل المشاركة في عملية عاصفة الجنوب، إضافة إلى الأخطاء التكتيكية على أرض المعركة، والتي يتضح من خلالها أن تخطيط و تنسيق العملية لم يعتمد الخبرات السورية، وإنما اعتمد على شخصيات لا تمتلك المعلومات الدقيقة لجغرافيا المنطقة وما فيها من مداخل ومخارج و هذا تحديدا ما تسبب في بطء تقدم قوات الحرالتي لم تستطع سد كافة منافذ إمداد نظام الأسد.  

و أخيرا: إن تشكيل جيش الفتح غرفة عمليات منفصلة لمساندة العاصفة قد تركه الباب مفتوحا لكل من يرغب بالانضمام إلى صفوفه مما يشكل ثغرة ويسمح بالاختراق.  

كما أن الحكومة الأردنية، كما هو واضح تهتم اليوم بتأمين حدودها مع سوريا، عبر تسليمها لقوات قادرة على إيقاف أي تمدد لقوات تنظيم الدولة، التي باتت تشكل رعبا للقيادات الأمنية الأردنية، و ما كان قرار تحييد الفصائل الإسلامية عن المشاركة في عاصفة الجنوب إلا إجراء احترازيا من قبل قوات الموك لمنع أي تقدم لقوات تنظيم الدولة على الحدود السورية الأردنية، و خصوصا بعد مبايعة أفراد من جبهة النصرة و الفصائل الإسلامية التابعة للمقاومة الشعبية تنظيم الدولة في أكثر من مناسبة. وعليه ربما وجدت تحييد أي فصيل إسلامي أكثر أمنا وسلامة لحدودها وأمنها القومي. إلا أننا و بعد مقاربة للواقع و نظرا لتشرذم الجهود بين غرفتي عمليات الأولى لعاصفة الجنوب و الثانية لجيش الفتح و ما جره من نتائج كارثية، نرى أن مصلحة الدولة العليا تتطلب أن تنحى التوجهات الإيديولوحية و الدينية جانيا و يسارعوا إلى التعاون بينهما و ذلك لاعتبارات أهمها: 

أن غرفة عمليات عاصفة الجنوب تتلاقى في المصالح و الأهداف مع غرفة عمليات جيش الفتح والذي يعتبر قوة لا يستهان بها  وأن هذا التناحر بدوره قد يؤدي إلى نتائج كارثية بحق الجبهتين و يسحب من فوقهما غطاء الحاضنة الشعبية التي بدأت تتململ و تشكك بالجهود و النوايا، كما يسبب شرخا كبيرا بين الحر والفصائل الإسلامية لن تحمد عقباه و سيكون المستفيد الأول بكل تأكيد تنظيم الدولة الذي يتقدم في الحسكة و الشمال السوري بكل بساطة. 

الاعتبارالثاني نقول في حال تم تحرير درعا على أيدي الفصائل التي تعتبر دوليا أكثر اعتدالا  فإن أمامها خيارين لا ثالث لهما إما أن تقع في مواجهة مع جيش الفتح و تأزيم الصراع في المنطقة، أو التعاون معه وإلغاء الفصائلية لصالح جيش موحد يكون النواة لجيش يمسك البلاد بعد تحريرها، و يضبط الأمن الحدودي الذي بات منفلتا بطريقة قد يصعب ضبطها دون قوات حفظ السلام، التي تحاول الإدارة الأميركية تجنب إنزالها على الأقل قبل استقرار نظام سياسي جديد في سوريا أي أننا بهذا نقارب بين المصالح الدولية والإقليمية، ومصالح المقاومة الشعبية دون أي تنازع أو تنازل. 

الاعتبار الثالث أن مقاتلي عاصفة الجنوب سيكون أمامهم خوض معارك قادمة في قلب العاصمة دمشق فيما إذا تم لهم تحرير درعا  بحيث يؤمن لمعركة دمشق فتح الحدود مع الأردن، وبالتالي تكون مصادر التمويل مفتوحة لمعركة نعتقد بأنها ستكون الأشرس والأعنف مع قوات الأسد، وبكل تأكيد لن يكون أمل الانتصار كبيراً، ونحن نتابع اليوم تقدما بطيئاً لفصائل الحر و هي تواجه جزءاً صغيراً من القوات الخاصة للأسد، و لكن إذا تم بعون الله توحد جيش الفتح مع فصائل الجنوب فإن هذا سيقود بالضرورة إلى أن تترافق هجماتهم مع تقدم مماثل لمقاتلي المقاومة الشعبية في القنيطرة و نقل العاصفة إلى قلب القصر الجمهوري.

الاعتبار الرابع الذي نأخذ به ما يطرح اليوم من إمكانية توفير منطقة عازلة على الحدود مع سوريا والمساعي السياسية الحثيثة لاستبعاد الأسد والضغوطات الأميركية للإبقاء على نظامه مقابل مشاركة المعارضة في العملية السياسية، وإعادة إنتاج نظام استبدادي جديد، يلبي المصالح الدولية و الإقليمية ويضغط لأن يكون خط المواجهة الأول مع تنظيم الدولة،على الأراضي السورية. 

وفيما إذا لم تتوحد أيادي المعارضة المسلحة على الأراضي السورية، لن يكون لأي قيادة سياسية القدرة على فرض إرادتها و رؤيتها وسيبقى إيقاف نزيف الدم السوري هدفا مستحيلا لأعوام قادمة كما هو حال العراق و مصر اليوم . 

من المهم أن تدرك دول الجوار السوري اليوم، أن سياسية النأي بالنفس، وضبط النفس لم تعد مقبولة بل إن ما يحدث من صراعات على الأراضي السورية يهدد أمنها القومي بشكل مباشر وخصوصا أن المستفيد الأول من الخلافات في صفوف المقاومة الشعبية المسلحة لا يصب إلا في مصلحة تنظيم الدولة، باعتبار الأسد بات دمية من ورق، ولا يمكن أن يكون أملاً في أي استقرار أو هدوء على الحدود الساخنة. 

و لن يحدث هذا الاستقرار ما لم يستتب الأمن في سوريا ويحصن بجيش سوري موحد ومنظم ويخضع لقرارات سلطة دستورية وطنية وشرعية مستقلة. 

تعليقات