عودة البرابرة نوع من الحل

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

3/9/2014
العربي الجديد

تُحصي صحيفة "نيويورك تايمز" سبع عشرة مرة، تدخلت فيها الولايات المتحدة عسكرياً في العراق، في السنوات الأربع والعشرين الماضية، لأن "ثمة شيئاً ما في هذا البلد، يشبه المغناطيس، يجذب الرؤساء والقادة العسكريين الأميركيين إليه"، لم تكشف الصحيفة المذكورة سر هذا "المغناطيس"، لكن وزارة الطاقة الأميركية رفعت شعاراً على موقعها الرسمي يقول "النفط دم الاقتصاد الأميركي"، ولا تنسوا أن الباحثة في مركز تحليلات أمن الطاقة، سارة إيمرسون، خاطبت المسؤولين الأميركيين، قبل غزو العراق، "لا تبحثوا عن النفط في غير مكان وجوده، أفضل ما يمكنكم القيام به هو الوصول إلى العراق"! بعد ذلك بعام، وصل الأميركيون إلى العراق، وأول ما فعلوه أنهم وفّروا الحماية الكاملة لمبنى وزارة النفط، من دون بقية الوزارات، ووضعوا في السلطة أنصاف العراقيين الذين كانوا قد تعهدوا بإعطاء النفط إلى الشركات الأميركية، بعد أن التقطوهم من الأزقة الخلفية لعواصم الغرب والجوار، لكي يضمنوا تدفق النفط العراقي في شرايين الاقتصاد الأميركي، وهذا ما حصل! وفي كل مرة، كان الأميركيون يتدخلون عسكرياً في العراق، كانت عيونهم على منابع النفط، وكانت شماعة المبررات جاهزة، غزو دولة مجاورة، قمع صدام حسين معارضيه، وجود أسلحة دمار شامل، أو حتى تعليم العراقيين الديمقراطية، لكن تدخلهم العسكري الأخير، وهو الثامن عشر، وإن اقتصر على العمليات الجوية، لم يكن مطروحاً للنقاش والمساومة، بل كان مشروعاً حتى من وجهة نظر ساسةٍ عراقيين كانوا يظهرون معارضتهم أميركا، ويزعمون مقاومة وجودها في العراق، إذ أصبح في وسعهم أن يقولوا، في العلن، ما كانوا يقولونه في الغرف المغلقة. يكفي أن التدخل، هذه المرة، جاء لمواجهة إرهاب "الدولة الإسلامية"، وحماية المواطنين المهددين بخطر الإفناء، وهو خطر ماثل بالفعل، يطال المسيحيين والأيزيديين، كما يطال المسلمين الذين يرفضون مبايعة "الخليفة البغدادي" أو الانصياع لأوامر "الدولة الإسلامية".

ورأى محللون أن "المغناطيس" الذي تحدثت عنه "نيويورك تايمز" هو الذي جذب الأميركيين أكثر مما جذبهم إرهاب "الدولة"، لا تنسوا أن واشنطن لم تتحرك، قيد أنملة، عندما أصبحت "داعش" على أبواب بغداد. لكن، عندما استدارت نحو أربيل التي تضم أكبر محطة اتصالات أميركية في المنطقة، وقنصلية في مستوى سفارة، وشركات نفطية أميركية تنقب وتستثمر وتصدر، وعندما أصبحت على مرمى حجر من النار الأزلية التي تشتعل في كركوك تحركت الطائرات الأميركية، ودخلت في إنذار (ج) الذي يسمح لها بحرية التصرف، ولوّح الرئيس بارك أوباما بتدخل أوسع "لنا مصلحة إستراتيجية في طرد داعش، لكننا لن نتمكن من دحرها إلا لفترة محددة. لكن، بمجرد أن تنصرف طائراتنا يعودون مرة أخرى!" هنا، يصبح الوجود الأميركي الدائم في العراق بحكم الضرورة، لا تنسوا، أيضاً، أن أوباما تحدث، بعد ذلك، عن "خيارات" سيكون منها بالتأكيد وجود عسكري أميركي بري ثابت في العراق، بموجب الاتفاقية الأمنية بين بغداد وواشنطن، أو من دونها، وأن المشرعين الأميركيين وجدوا "أن الخيار العسكري يجب أن يكون مفتوحاً من دون أي قيد"، فيما عبّر الساسة العراقيون من مختلف "المكونات"، وهي كلمة ملطفة عن كلمة "الطوائف" السيئة الصيت، عن ترحيب صريح بالتدخل العسكري الدائم، حتى (الثوار) منهم بدأوا يشعرون بالحاجة إلى الراعي الأميركي، فهو وحده القادر على حمايتهم، وتأمين حصولهم على حصة من (الكعكة) التي حرموا منها. ثمة أطراف محسوبة على اليسار فضلت أن تغمض عيونها، إلى حين مرور العاصفة، خصوصاً وأن عودة الأميركيين في هذا الزمن الرديء أصبحت في نظر المواطن العادي الذي التبست عليه الأمور نوعاً من السحر الحلال، و"المعرفة تقتل، وحده الضباب هو ما يجعل الأشياء تبدو ساحرة"! وهكذا تلوح في الأفق أولى ممهدات العودة، وزارة جديدة ترضي كل "المكونات!"، وتضمن تلميع "العملية السياسية" وإعطاءها البريق الذي تحتاجه في هذا الزمن الصعب.

عندها، سوف يشعر الجميع بالامتنان للخليفة البغدادي الذي ظهر في لحظة فارقة، ليؤلف قلوب الساسة العراقيين، ويوحّد بينهم، وسينال الراعي الأميركي نصيبه من الشكر، بعدما أصبح غير ممكن الاستغناء عنه عقوداً، أو ربما إلى أن ينضب النفط في بلاد الرافدين، وتنطفئ النار الأزلية، وسوف يكتشف المواطن، ولو بعد حين، أن ولادة "دولة الخلافة" كانت أمراً لا بد منه لعودة "البرابرة"، وللوصول إلى نوع من الحل