غدر روسيا بين الأمس واليوم

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

30/5/2016
السورية نت

كان للصراع الدائر في شرقي أوروبا بين الدولة العثمانية وروسيا القيصرية تأثير مباشر عسكرياً وسياسياً على مصر وسوريا وفلسطين وجبل لبنان. واستغل كل من علي بك الكبير في مصر، وضاهر العمر شيخ عكا وصفد انشغال الدولة العثمانية بالحرب كي يحاولا الاستقلال عنها. بينما استغلت روسيا طموحهما للاستقلال فشجعتهما على الثورة، ووعدتهما بالمساعدات العسكرية.

من هو ضاهر العمر؟

ينتسب ضاهر العمر إلى الزيدانة من بني أسد، والذين يعود نسبهم إلى زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم. ونزل الزيدانة حول معرة النعمان (الشام- حلب) واستقروا في صفد.

تزعم عمر الزيداني والد ضاهر هذه القبيلة. وعندما آلت الزعامة لضاهر، كان مجبراً على الدفاع عن إرث أبيه من دسائس الأعمام ومؤمرات الباشاوات وذلك بداية القرن الثامن عشر ميلادي.

قتل ضاهر منافسيه واحداً تلو الآخر وحصل على ثقة القبائل المحيطة، وعقد معها تحالفات. كما كانت علاقاته مع قبائل بدو ما وراء نهر الأردن جيدة، وهو ما مكنه من بسط الأمن في المنطقة.

نفوذ يتصاعد

في عام ١٧٥٠م احتل ضاهر العمر عكا، النقطة الحربية على الساحل السوري، والمركز التجاري. وازدادت إمكانية ضاهر المادية وزاد إرساله للذهب في الأوقات المناسبة إلى العاصمة، وهو ما مكنه من التحرر من مسايرة الباشاوات، والارتباط بالباب العالي مباشرة، وألحق بسنجق عكا، صيدا، طبريا، وكل الجليل.

واتسعت دائرة سيطرته بعد أن أقام علاقات حسنة مع قبائل المتاولة في جنوب لبنان.

وبسبب انشغال الباب العالي بحربه مع روسيا عام ١٧٦٨م، اضطر للاعتراف بزعامة ضاهر العمر على جميع المناطق التي استولى عليها، ومنحه لقب شيخ عكا وأمير الأمراء حاكم الناصرة وطبريا وصفد وشيخ إقليم الجليل.

قلق الباب العالي

توسع ضاهر العمر أقلق الباب العالي، الذي عين عثمان باشا عام ١٧٦٠م والياً على الشام، ثم منحه القدس وكل فلسطين ومنح أولاده صيدا وطرابلس.

وحاول عثمان باشا استغلال خلافات أولاد ضاهر العمر مع والدهم، لكنه فشل ذلك أن ضاهر العمر تصالح مع أولاده وضمهم إليه وجعل ابنه علياً كبيرهم، رئيساً على أخوته وجهزه ليحارب عثمان باشا. فما كان من القبائل العربية إلا التأهب للوقوف إلى جانب ضاهر للتخلص من العثمانيين، حيث بدأت الحرب بينهما.

واتجه ضاهر العمر نحو علي بك وحالفه ضد الدولة العثمانية، وضد عدوه عثمان باشا الذي كان على خلاف مع علي بك.

تدخل روسيا

كانت روسيا تحرز انتصارات في حربها على الدولة العثمانية خلال الأعوام (١٧٦٨-١٧٧٤)م، التي كان الهدف منها تنفيذ "المشروع الرومي"، والذي يرمي إلى طرد الدولة العثمانية من أوروبا عن طريق حمل شعوب البلقان على الثورة ضد الدولة العثمانية، من خلال دعم روسيا لهم، وإقامة علاقات وثيقة مع المسيحيين الأرثوذكس في دول البلقان التابعة للدولة العثمانية، وبسط حمايتهم عليهم.

ونظراً لحالة التردي التي بلغتها الدولة العثمانية انتصرت روسيا التي لم تكن بتلك القوة الكبيرة. حيث وصف فردريك الثاني ملك بروسيا تلك الحرب بـ"إنها حرب العميان على العور".

مسار الحرب

جهز علي بك جيشاً من مماليكه قوامه عشرة آلاف جندي ليتوجه إلى سوريا، حيث الأسطول الروسي كان مرابطاً في البحر المتوسط، ومن هناك كانت السفن الروسية تحاصر الأملاك العثمانية  في البحر، وتقضي على بقايا الأسطول العثماني.

أفلحت قوات الشيخ ضاهر مع علي بك بالتعاون مع الروس بالقتال المشترك ضد العثمانيين. واستولت القوات على دمشق وصيدا وحاصرت يافا بقيادة عامل علي بك، محمد بك أبو الذهب الذي قام بسحب قواته فيما بعد من دمشق وخان سيده طمعاً بالسلطة.

في تلك الأثناء كان الأسطول الروسي يهدد العثمانيين  في البحر المتوسط، وظهرت السفن الروسية في حيفا عند أقدام جبل الكرمل. وكانت الإمبراطورة يكاترينا الثانية تعهدت بمساعدة علي بك وضاهر العمر، مقابل تقديم المدن البحرية في بلاد الشام للروس.

تراجع ونهاية

أثار توسع الشيخ ضاهر واحتلاله لصيدا الدولة العثمانية، فعرضت عليه سلماً بشروط مغرية لكنه رفض بناء على نصيحة مستشاره ابراهيم الصباغ. وطمعاً بمساعدة علي بك له على توسيع رقعة ممتلكاته.

في هذه الأثناء توجه الأسطول الروسي إلى صيدا، وتابع تقدمه نحو بيروت بقيادة الأدميرال أرلوف، وتمكن من طرد السفن العثمانية الإحدى عشرة من ميناء بيروت، وقصف المعسكر العثماني، مما اضطر القوات العثمانية إلى التراجع بعد أن منيت بخسائر فادحة.

كان علي بك قد لقي حتفه  على يد محمد أبو الذهب بعد عودته إلى مصر. ولم يبقَ في ساحة الميدان سوى ضاهر العمر.

في بداية عام ١٧٧٤م، ظهرت أحداث لم تكن في صالح ضاهر العمر، لكنها خدمت العثمانيين كثيراً في بلاد الشام، حيث ساعدت نجاحات الدبلوماسية الروسية في تقاسم بولندة مع النمسا وبروسيا، واستطاعت روسيا إنهاء الحرب مع العثمانيين، بالتوقيع على اتفاقية كتشك قينارجه، التي تخلت بنتيجتها عن ضاهر العمر، ولم تكتفِ بذلك بل أوعزت إلى أحد قواده بقتله عام ١٧٧٥م.

لم تقم روسيا بتقديم المساعدات المطلوبة العسكرية لعلي بك وضاهر العمر بالشكل المطلوب، وتركت ضاهر العمر ليواجه مصيره أمام الدولة العثمانية التي تفرغت له، وقضت عليه.

ولو أن روسيا قدمت المساعدة المطلوبة لانتصرت قوات ضاهر العمر وعلي بك، ولربما تغير وجه الشرق كله اليوم.

روسيا بين الأمس واليوم

وصف المفكر الفرنسي برنارد هنري ليفي الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بأنه "ليس مجرد لاعب بأعواد الثقاب يضرم النيران فحسب، بل هو إمبريالي من الطراز القديم، الهدف من عملياته في سوريا هو عدم لفت الأنظار بعيداً عن تقطيعه لأوصال أوكرانيا".

لقد غدت سوريا بالنسبة لروسيا مصلحة أساسية بعد خسارة ليبيا، التي أُبعدت عنها، وذلك يذكرنا تماماً بالقسمة غير العادلة، بالنسبة لها في سايكس بيكو، عندما حصلت على أراض في آسيا الوسطى.

لذلك استغلت روسيا الوضع في سوريا كي تحصل على امتيازات، مع وجود قاعدة بحرية لها على البحر المتوسط، وهذا ما جعل سوريا ضرورة استراتيجية بالنسبة لها.

وما أشبه الأمس باليوم، وما أسرع تبدل المصالح، واختلاف الاستراتيجيات بين الدول العظمى، حيث يغدو حليف الأمس عدو اليوم، وشريك الأمس منافساً، والثمن تدفعه دائماً الشعوب.

_________________________________________________________________________________

إحالات

ـ حول علاقة ضاهر بعلي بك الكبير وكيف استطاع التحالف مع الروس انظر تفاصيل ذلك بخطط الشام لمحمد كرد علي، بيروت، ١٩٦٩م، ج1، ص٢٨٩.
ـ حول المشروع الرومي وتقسيم الدولة العثمانية: انظر: نايلة الصغير ، العلاقات الروسية العثمانية في عهد كاترين الثانية (١٧٦٢-١٧٩٦)م، الجامعة اللبنانية، بيروت، ج2 ، ١٩٩٣، ص، ٤٦٧-٤٧٠.
ـ حول أصل الزيدانة انظر: ميخائيل العكاوي ونقولا الصباغ: ضاهر العمر الزيداني، طبعة القديس بولس، حريصا، لبنان ، ١٩٣٥، ص١٥ وما بعد.
 

 

تعليقات