فتاة بردى: عارنا

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

2 - 4 - 2019
درج
المؤلف: 

أظهرت الدقائق القليلة المصورة التي راجت الأيام الماضية، طفلة ممدة تكاد تكون بلا قوة على حافة نهر بردى، في وسط دمشق، بملابسها المهترئة المتسخة ونظراتها الساهمة، تتنشق كيساً ابيض يحتوي سموماً مخدرة هي عبارة عن مادة لاصقة تعرف بـ”الشعلة”. بدا المشهد وكأن ما يحصل شيء عادي، فالطفلة كانت مستلقية على الرصيف قرب المارة في قلب العاصمة السورية دمشق، لكن أحداً لم يعرها الانتباه.

اقترب منها مصور الفيديو وجذب يدها بشيء من الفظاظة وسألها بصوت زاجر “ليش عم تشمي؟” لكنها لم تجب…

بدا وجهها الأسمر،على رغم حالها المزرية، وجهاً جميلاً، إنما أذبلته قسوة لا حدود لها. سألها المصور عن ذويها فأجابت بنظرات فاقدة التركيز أن أمها ماتت ووالدها في السجن وأنها من الشاغور.

كلمات توجز لنا المأساة السورية…

الشاغور حي دمشقي شهد مواجهات بين فصائل النظام بدعم من مسلحي “حزب الله” وميليشيات شيعية، من جهة، والمعارضة السورية من جهة أخرى، حتى سقطت بقبضة النظام وحلفائه ووقع الحي في مأزق الشحن الديموغرافي المذهبي.

كلمات قليلة قالتها الطفلة التي لا يبدو أنها تجاوزت العاشرة قبل أن تسقط في نهر بردى لتشرع في بكاء ونحيب هيستري يدمي القلب. أنقذها بعض المارة من الماء، لكن وبحسب ما ظهر في اللقطات الأخيرة، فهؤلاء المارة وبعد انتشالها من الماء تركوها وغادر كل في طريقه، ولا نعرف ماذا حصل للفتاة بعد ذلك.

مصور الفيديو هو رامي القاعد وهو يعمل في قناة سما الموالية للنظام، وقد نشر الفيديو على صفحته على “فايسبوك“، صفحته التي تصدرتها صورته مع حافظ نجل الرئيس السوري بشار الأسد. وعلى صفحته أيضاً نشر القاعد مقابلة إذاعية مع قناة “شام اف ام” الموالية أيضاً، يشرح فيها لماذا صوّر الطفلة، بعدما تعرض لانتقادات لأنه صور الطفلة ولم ينقذها…

قال المصور إن هدفه “التوعية مو اكتر… قمت بالتقاط الفيديو مشان يشوف المسؤولين وتشوف المنظمات ويشوفوا شو لازم يعملوا”.

إذاً المشكلة تقع على عاتق المنظمات!

رواية المواقع الرسمية السورية التي تناولت قصة الطفلة ركزت على أن المشكلة هي أن هناك عصابات تروج لمادة مخدرة سامة هي “الشعلة” وتنشرها بين الأطفال، وطبعاً لم يفت هذا الإعلام أن يلفت إلى أن من انتشل الطفلة من المياه، بعدما سقطت، هو أحد جرحى “حماة الديار” أو جيش النظام.

متابعة ما قاله المصور والإذاعة الموالية وما كتبته مواقع النظام، توحي بأن القضية سلكت مسار نقاش مجتمعي، إذ ألقى البعض باللوم على العصابات والأطفال المشردين وأهلهم في انتشار مثل هذه الظاهرة، فيما نقلت صفحات موالية أن وزارة الشؤون الاجتماعية “استنفرت” من أجل العثور على الطفلة.

لكن بعد يومين لم يعلن أحد شيئاً عن مصير الطفلة.

وجه طفلة بردى التائهة المشردة سيلاحقنا طويلا قبل أن ننشغل بغيره في سياق تخبطنا بالتداعيات الهائلة للمأساة السورية. نظراتها الزائغة تروي حكاية “الانتصارات” التي يحتفي بها النظام وحلفاؤه. هذه الصغيرة جعلتنا نرى بأم العين عار جيلنا، أي الفشل السياسي الأخلاقي الفظيع الذي حصل في سوريا.

وُصِفت الحرب السوريّة بأنها تمثّل موتَ فكرة التدخّل الديموقراطيّ أو الإنسانيّ. لقد دمر البلد وبالمقدار ذاته دمّرت العلاقات الإنسانية والنسيج الاجتماعي. سجن عدد لا يحصى من الناس، يقال إنه فاق 100 مئة ألف معتقل.  فقد كثيرون أطرافهم وعيونهم وعقولهم أيضاً. أصيب جيلٌ كامل من الأطفال بالصدمة، وحُرِم من التعليم، ويُتِّم. التقارير الدولية بشأن وضع الأطفال في سوريا حملت كلها معطيات أقل ما يمكن وصفها فيه، بأنها مرعبة لجهة الإصابات الجسدية والوضع الاجتماعي والحال النفسية. ويواجه أولئك الأطفال تهديدات بانتهاكات متزايدة بما في ذلك العمل القسري والزواج الإجباري وندرة الغذاء والحد الأدنى من الوصول إلى الصحة أو التعليم، وصولاً إلى مشكلات الإدمان والتشرد.

مرعب التفكير في الانتقام الذي سيُوقِعُه هذا الجيل في المستقبل وهذا تماماً ما جعلتنا طفلة بردى نراه.

“انتصر الأسد”، هذا ما علينا ان نكرره لأنفسنا في حرب يقدر عدد قتلاها بما بين 350 ألفاً والنصف مليون. المهجّرون خارج البلاد حوالى 6 ملايين، المُهَجّرون في الداخل السوري أكثر من 6 ملايين ونصف المليون، المصنّفون “في حاجة إلى المساعدة”، داخل البلاد أيضاً، يزيدون على 13 مليوناً.

كيف سنشرح لفتاة بردى هذا النصر، وكيف سنقنعها بأن كل ما حصل لم يكن سوى “مؤامرة خبيثة”، وأن الأسد ومن خلفه، أبرياء من موت أمها وسجن والدها وأن الصمغ الذي ملأ جسدها هو ثمن بخس ليبقى ذاك القابع في قصر المهاجرين المطل على النهر، حيث كانت ممددة.

تعليقات