فرص استحضار "هلسنكي" في الخليج

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

25سبتمبر/أيلول 2019
العربي الجديد
المؤلف: 

تثير احتمالات اندلاع مواجهة عسكرية في المنطقة، بسبب الأزمة الإيرانية، مرة أخرى، الحاجة إلى إنشاء نظام أمن إقليمي في منطقتي الخليج والشرق الأوسط، يساعد في منع الانزلاق نحو حربٍ مدمرة جديدة، تضاف إلى جملة الحروب والنزاعات التي فتكت بدول المنطقة ومجتمعاتها خلال العقود الأخيرة. وعلى الرغم من أنها من أكثر مناطق العالم اضطرابا، تنفرد منطقة الخليج والشرق الأوسط، التي غدت ساحة صراع متصلة بفعل الغزو الأميركي للعراق، بعدم وجود نظام أمن إقليمي يساعد في منع النزاعات، أو احتوائها وحلها حال اندلاعها. 

وعلى الرغم من وجود مبادرات مطروحة حاليا في هذا الشأن، إلا أنها جميعا تفتقر إلى الجدية وفرص النجاح. فمن جهةٍ، هناك المقترح الإيراني الخاص بتوقيع معاهدة عدم اعتداء مع دول الخليج العربية، وينوي الإيرانيون طرح صيغةٍ مطوّرة عنه خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة هذا الشهر. إلا أن هذا المقترح يبدو، في توقيته، مجرد مناورة إيرانية، دافعها القلق من تطور الأزمة مع واشنطن إلى مواجهة عسكرية. أما لجهة مضمونه، فيبدو الطرح غير ذي معنى، لأن إيران لا تواجه خصومها مباشرة، حتى تقترح توقيع معاهدة عدم اعتداء معهم، بل عبر وكلاء كما يحصل في اليمن والعراق ولبنان. الطرح الثاني الموجود على الساحة حاليا هو الروسي، إذ أطلقت وزارة الخارجية الروسية في يوليو/ تموز الماضي مبادرة لإنشاء نظام أمن جماعي في منطقة الخليج، يساعد في تخفيف التوتر، ويمنع الانزلاق نحو نزاع مسلح، خصوصا بعد الاتهامات التي وجهتها السعودية والولايات المتحدة لإيران بالمسؤولية عن استهداف منشآت "أرامكو" في 14 سبتمبر/ أيلول الحالي. ولكن المبادرة الروسية، وعلى الرغم من أنها تبدو أكثر جدّية من نظيرتها الإيرانية، إلا أن هدفها الرئيس، على ما يبدو، هو أن تكون مدخلا لحضور روسي في منطقةٍ طالما احتكرت الولايات المتحدة النفوذ فيها منذ الحرب العالمية الثانية. وقد تشجعت روسيا على إطلاق هذه المبادرة، بعد أن دعا الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، الدول التي تعتمد على نفط الخليج (الصين، اليابان، الهند، كوريا الجنوبية، وغيرها) إلى أن تتكفل بنفسها بتوفير الحماية لإمدادات نفطها، بدل الاستمرار في الاعتماد على مظلة الحماية الأميركية. وقد أثارت هذه الدعوة حينها دهشة كبرى في موسكو وبكين، ذلك أن الولايات المتحدة درجت، على الأقل منذ إعلان مبدأ كارتر الذي جاء رد فعل على الغزو السوفييتي لأفغانستان عام 1979، والخوف من تمدّده نحو مياه الخليج، على منع أي قوى خارجية من دخول المنطقة الغنية بالنفط، وقد حافظت الولايات المتحدة على هذه السياسة، على الرغم من التناقص المستمر في اعتمادها على واردات النفط من الخليج.
بوجود الرئيس ترامب الذي يفتقد لأي حسّ للاعتبارات الاستراتيجية، يتلمّس الروس فرصة مهمة لدخول المنطقة ويستعجلون استغلالها، وهذا بالضبط ما يُفقد مبادرتهم مصداقيتها، باعتبار أن هدفها الرئيس هو تعزيز الحضور الروسي في المنطقة أكثر من أنها مبادرة جدّية لتحقيق الأمن فيها، علمًا أن روسيا تعد أكثر المستفيدين من تأجج الصراع السعودي - الإيراني.
في مطلع سبعينيات القرن الماضي، عاشت أوروبا، التي كانت مسرحا رئيسيا للحرب الباردة بين الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة، ذروة التوتر بين المعسكرين، الشيوعي والرأسمالي، دفعت بعض عقلائها الى إطلاق مبادرة للأمن الجماعي هدفها منع تكرار تجربة الحرب العالمية الثانية وويلاتها. انطلق الحوار عام 1972 وانتهى عام 1975 بالتوقيع على اتفاقية هلسنكي التي أنشأت منظمة الأمن والتعاون الأوروبي بمشاركة 35 دولة، وقامت على عشر نقاط رئيسة، أهمها: احترام سيادة الدول واستقلالها، وإقرار مبدأ التكافؤ في السيادة، الامتناع عن استخدام القوة أو التهديد باستخدامها، حرمة الحدود وعدم جواز تغييرها بالقوة، احترام الوحدة الترابية لجميع الدول، حل النزاعات بالطرق السلمية، عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، احترام حقوق الإنسان، والحريات الأساسية، بما فيها حرية الفكر والرأي والتعبير والضمير والمعتقد، وحق الشعوب في تقرير مصيرها. أسست هذه الاتفاقية لسلام مستمر تتمتع به أوروبا، هل يمكن تكرار هذه التجربة في منطقتنا؟ نعم، بالتأكيد إذا انتصر العقل ووجد عقلاء، وسط هذا الجنون.