فرنسا حرقت دمشق والتاريخ يسجل

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

27/2/2016
السورية نت
المؤلف: 

بعد انطلاق الثورة السورية الكبرى في يوليو/ تموز 1925م، من جبل العرب، وامتدادها إلى جميع الأراضي السورية، بما فيها دمشق، هاجم الثوار الذين تمترسوا في الغوطة قصر العظم حيث كان مقر المفوض السامي الفرنسي سراي([1])، الذي أذاق السوريين من ظلمه الكثير، ودخل قائد ثوار دمشق حسن الخراط([2]) مع 400 من ثوار الغوطة والمرج إلى دمشق، عبر حي الميدان، فاحتفل بهم أهل دمشق وتجارها وانضم شبابها إليهم، وبقوا في المدينة أربعة أيام سحقوا فيها جميع الجنود الفرنسيين المتمترسين في حي الشاغور وحي الميدان([3]).

ثم توجه الثوار إلى قصر العظم، واشتبكوا مع حاميته واقتحموا مقر المفوض السامي سراي الذي هرب، وقاموا بتحطيم المقر، ورغم أن الفرنسيين سارعوا إلى إرسال تعزيزات لقواتهم وفرضوا طوقاً ليقتحموا سوق الحميدية؛ إلا أن الثوار أحاطوا بالفرنسيين من كل الجهات، وتعذّر على الدبابات دخول الشوارع الضيقة، مما اضطر القوات الفرنسية للانسحاب.

جنّ جنون سراي وأمر بنصب مدافعه حول دمشق، وبدأ بقصف المدينة من قلعة المزة في عصر يوم الأحد 18 أكتوبر/ تشرين أول 1925 واستمر القصف حتى مساء الثلاثاء 20 أكتوبر/ تشرين أول 1925م.

كان الخراب عاماً في دمشق، ولم توفر آلة الحرب الفرنسية من مدفعية وطائرات بشراً ولا حجراً ولا شجراً. واشتعلت النيران بدمشق، حتى تحولت المدينة إلى "كومة حطب" كما وصفتها الفرنسية أليس بوللو([4]) قائلة: "تظهر دمشق من قمم هذه الجبال وكأنها كومة حطب مشتعلة. الخراب يعم كل أرجاء المدينة".

ومن قذيفة أولى أطلقت من مدفع بالقرب من قلعة المزة دُمّرت قبة حمام الملكة لتشتعل النيران ولتمتد إلى البيوت والمتاجر المجاورة وتلتهم فرن جبران وزقاق المبلط الواقع وراء سوق الحميدية ثم زقاق سيدي عامود وبعضاً من سوق مدحت باشا.

كان حي سيدي عامود الذي أصبح أثراً بعد عين، من أغنى وأرقى أحياء دمشق، يقطنه أعيان ورجالات دمشق وسورية، وكان يقع في المنطقة الواقعة جانب سوق الحميدية من جهة الجنوب في دمشق، وسوق مدحت باشا من جهة الشمال؛ بين جادة الدرويشية غرباً وسوق الخياطين شرقاً. 

ضم أجمل البيوت والقصور الدمشقية المبنية على الطراز العربي والسلجوقي والمملوكي والعثماني، الذي تعرض للقصف الفرنسي فدُمّر بالكامل ولم يبق منه سوى البيمارستان النوري (بيمارستان نور الدين الشهيد) الذي يقع إلى الجنوب الغربي من الجامع الأموي([5]).

ولم يكتفِ الفرنسيون بالقصف، بل إنهم أطلقوا جنودهم ومرتزقتهم للنهب والسلب، ولم يبق محل أو متجر أو بيت إلا سلبوا ما فيه.

أما الضحايا والشهداء من المدنيين الذين قتلوا نتيجة هذا القصف فبحسب بعض التقارير الفرنسية فقد وصل عددهم إلى 1500 شخص، بينهم كثير من النساء والأطفال. وقد ذُكرت أرقام أخرى قريبة من هذا الرقم، لكن بالتأكيد فإن العدد الحقيقي للضحايا لم يعرف، لأن فرنسا كان يهمها ألا تظهر وحشيتها بصورة كبيرة أمام الرأي العام العالمي وقتها، والذي كان ومازال عموماً غير مهتم لكل ضحايا الاستبداد في أي مكان من عالمنا العربي والإسلامي([6]).

لم تعترف فرنسا حتى اليوم بمسؤوليتها عن تلك الجريمة، ولا غيرها من الجرائم التي ارتكبتها في سورية خلال انتدابها الذي أقرّته عصبة الأمم بذريعة مساعدة السوريين على بناء بلدهم!؛ لكن السوريين خلّدوا وحشية الفرنسيين وجريمتهم تلك حتى لا ينساها التاريخ، وأطلقوا اسم "الحريقة" على حي سيدي عامود الذي احترق بكامله.

واليوم يعود نظام الاستبداد في سورية ليحرق البلاد كلها بنيران حقده، وليترجم شعار جنوده "الأسد أو نحرق البلد" إلى واقع نعيشه بكل قساوته ومرارته منذ خمس سنوات.

ولعل قصيدة خير الدين الزركلي التي قالها في رثاء دمشق بعد القصف الفرنسي عام 1925م، تصلح اليوم لرثاء سورية كلها بعد أن أحرقها الأسد وأعوانه، والتي قال فيها:

النـــــــــــار محــــــــــــــــــــــــــــــدقة بجلّق بعدمـــــا ......تركت حمــــــــاة على شفير هار

تنساب في الأحياء مسرعة الخطى ....... تأتي على الأطمار والأعمار

الطفل في يــــــــــد أمـــــه غرض الأذى ....... يُرمى وليـــــــس بخائض لغمار

والشيخ متكئاً على عكــــــــــــازه ....... يُرمى وما للشيخ من أوزار

صبرت دمشق على النكال ليالياً .... حرُم الرقاد بها على الأشفار

الوابل المدرار من حمــــــــــــــم اللظى ....... متواصل كالوابل المدرار

أمُّ الحياة، وللحيـــــــــــــاة نعيمها ........ هل في ديارك بعد من ديّار

ويح الحضارة كيف يمتهن اسمها ... متكالبون على الضعاف ضواري

ما ينقمون عليك إلا أنهـــــــــــــم ........ شهدوك غير مقودة لصغار

وكما حاسب السوريون فرنسا على جرائمها بطريقتهم عبر التاريخ، فإنهم سيحاسبون كل مجرم اشترك في ظلمهم ودمار بلدهم.

الإنسان يموت، لكن لعنة التاريخ لا تنتهي.

____________________________________________________________________________________________________

[1]  ـ موريس سراي: ثالث مفوض سامي عسكري  في سورية ولبنان، حكم منذ نوفمبر/ تشرين الثاني 1924 إلى 23 ديسمبر/كانون الأول 1925، وهو من مواليد عام 1856 وتوفي في العام 1929، اتّسم عهده في لبنان وسورية بالقسوة والعنف، وعمل على إثارة النزعات الطائفية والعنصرية، كان مقره في قصر العظم الذي يقع إلى الجنوب من جامع بني أمية الكبير. انظر، ويكبيديا.

[2]  ـ حسن الخراط: من أهالي دمشق، ولد فيها سنة 1861، وهو من أشهر المجاهدين في الثورة السورية (1925) كان أمياً فقيراً، عمل في الحراسة. وشارك في الثورة فأظهر في معاركها بدمشق وأطرافها جرأة شجاعة، وكان قائداً لمجموعة من الثوار اتخذت قريتي عقربا وبيت سحم في ريف دمشق مقراً لها، وجرح مرتين واستشهد بعد بمعركة مع الفرنسيين، قرب يلدا نهاية عام 1925م. انظر: الأعلام لخير الدين الزركلي، ج2، ص 221.

[3]  ـ انظر: دمشق تاريخ وصور، قتيبة الشهابي، وانظر: مذكرات أكرم الحوراني، وانظر: مذكرات علي الطنطاوي، وانظر مذكرات عبد الرحمن الشهبندر.

[4]  ـ أليس بوللو: صحفية فرنسية عاشت في دمشق عامين 1925 ـ 1926م، وقد شهدت القصف الفرنسي للمدينة ووضعت كتابها "دمشق تحت القنابل" الذي ترجمه إحسان الهندي للعربية. انظر: حي الميدان الدمشقي تاريخه وتطوره، أحمد بوبس، ص 202.

[5]  ـ انظر: دمشق تاريخ وصور: قتيبة الشهابي، ص 277 ـ 278. وانظر: الفرنسيون يدمرون حي سيدي عامود، شمس الدين العجلاني، مقال منشور في أغسطس/آب، 2011م.

[6]  ـ انظر: منتخبات التاريخ لدمشق، محمد أديب تقي الدين الحصني. وذكر قتيبة الشهابي في كتابه دمشق تاريخ وصور، أنهم 1416 شهيداً بينهم 336 من النساء والأطفال.

تعليقات