فشل الربيع العربي في الانتقال الديمقراطي

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

2/5/2018
العربي الجديد
المؤلف: 

مع بدايتها في تونس في عام 2010، أطلق علماء السياسة على الثورات العربية مصطلحات كثيرة ومختلفة، بحسب خلفياتهم، وبحسب ما ينوون إرساله من اعتمادهم المصطلح الذي يروق لهم، فأي مفهومٍ أو مسمى يحمل معاني سياسية واجتماعية واقتصادية، فقد فضّل بعضهم استخدام مفهوم "الثورات العربية" الذي شاع استخدامه بين النشطاء العرب، في حين شاع مصطلح الربيع العربي (Arab Spring) أو الانتفاضات العربية (Arab uprisings) في الدراسات الغربية بشكل كبير، وهناك من استخدم (Arab awaking)، أي الصحوة العربية، كما هو عنوان كتاب وزير الخارجية الأردني الأسبق، مروان المعشر، وهو تعبيرٌ بكل تأكيد يحمل دلالاتٍ وإيحاءاتٍ دينيةً غربية من عصر الإصلاح الديني. 

وكما اختلف الباحثون والمؤرخون في استخدام المصطلح الأكثر توصيفا سياسيا للثورات العربية اختلفوا مسبقا في التوصيف الأنسب أو التعريف الأدق "للاستبداد العربي"، أو "التسلطية العربية" (Arab Authoritarianism)، فالدراسات الغربية المتخصصة تطلق عليها عدة مفاهيم، مثل "الأنظمة السلطانية"، بل وسّع ألفريد ستيفن من هذا المفهوم، خارج نطاق الدول العربية أو الإسلامية، لتشمل أنظمةً تسلطية في هايتي، تحت حكم جان كلود دوفالييه، أو جمهورية الدومينكان تحت حكم رافائيل تروخيو أو الفيليبين تحت حكم ماركوس، ويعرفها بأنها الأنظمة والأفراد والمؤسسات التي تخضع بشكل دائم لكي تكون "غير توقعية"، ومستبدة، بمعنى إلغاء كل أشكال التعددية وبناء حكم فردي مطلق. أما لينز فيعرف التسلطية العربية في كتابه عام 1964 بأنها تتصف بتعدّدية سياسية محدودة، أما الشرعية فمستمدة من العواطف. وهناك محدودية للحراك الاجتماعي، وسلطة مطلقة للسلطة التنفيذية. بعد ذلك، بدأت في التسعينيات محاولات تصنيف الأنظمة التسلطية العربية، بعد الفشل التفسيري للتصنيف القديم القائم على التمييز بين أنظمة شمولية وأخرى تسلطية، فبدأ الحديث عن ما تسمى الأنظمة الهجينة، وهي الأنظمة التي تحافظ على سمْتها التسلطي، لكنها تدخل عناصر مختلفة من التعدّدية السياسية المحدودة، مثل الانتخابات التعددية الشكلية، سواء على مستوى البرلمان أو الرئاسة، أو تعددية حزبية شكلية بدون سيطرة مطلقة لحكم الحزب الواحد، ثم بدأنا في داخلها التمييز بين أنظمة هجينة تنافسية وأخرى تسلطية غير تنافسية، وجدنا ذلك في العالم العربي من خلال انفتاح جزئي على الانتخابات التعددية في مصر واليمن، مثلا، لكنها لم تغير بنية النظام السياسي. 

بعد ذلك، حاول ستيفن هايدمان في كتابه (تحديث الاستبداد العربي) أن يحلل خمسة عوامل أدخلتها التسلطيات العربية لمحاولة الالتفاف على انهيار الاتحاد السوفييتي، وتحول معظم دول أوروبا الشرقية إلى أنظمة سياسية ديمقراطية، وتمثلت بخمسة عوامل رئيسية: القيام بتعديلات دستورية تسمح بتعددية حزبية وانتخابية، إعطاء دور، ولكن محدود، للمجتمع المدني، إدخال إصلاحات اقتصادية محدودة على طريق الاقتصاد الحر، منح دور أكبر للمرأة، ولعبت هنا السيدات الأوليات، مثل سوزان مبارك في مصر أو أسماء الأسد في سورية أو ليلى الطرابلسي في تونس، دورا في تقديم صورة جديدة للمرأة العربية والسيدة الأولى، ومع كل هذه التغييرات الجزئية ترافقت رغبة جامحة في تحويل هذه الأنظمة التسلطية إلى أنظمة عائلية، عبر ضمان التوريث السياسي، عبر إدخال تعديلات دستورية تسمح للأبناء بوراثة السلطة، عبر ترفيعهم إلى مناصب سياسية أعلى، وإعطائهم صلاحيات تنفيذية أكبر، تمكّنهم من استلام السلطة بعد وفاة الرؤساء، مدى الحياة. 

أخرت الإصلاحات الجزئية الثورات العربية، لكنها كانت مسألة وقت، قبل أن تندلع هذه الثورات في عدة بلدان عربية. فمن عام 2010 وحتى 2013، عاشت الثورات العربية مرحلةً من التخبط السياسي، كالفراغ الأمني والصعوبات الاقتصادية والاحتجاجات الاجتماعية على مستوى مصر وتونس وليبيا، وإلى حدٍ ما اليمن، بحثاً عن نموذج ما، كما تمثل ذلك بفشل المفاوضات بين القوى السياسية المتصارعة بشأن الاتفاق على قواعد اللعبة السياسية الديمقراطية، ثم وبعد 2014، ووصول عبد الفتاح السيسي إلى الحكم في مصر، وعودة الحرس القديم، متمثلاً بحزب نداء تونس إلى الحكم، وظهور حالة العسكرية متمثلة في خليفة حفتر في ليبيا، وتمزق وحدة مجلس التعاون الخليجي، في ما يتعلق بوزن الإسلام السياسي ودوره، وتحديداً الإخوان المسلمين، بدأت تتبلور بشكل منظم أكثر ما تسمى قوى الثورة المضادة أو "الدولة العميقة" وغير ذلك. لم تعد لقوى الثورة خطة قابلة للتنفيذ أو حامل اجتماعي يدافع عن هذه الخطة. وأفضل توصيف لهذه المرحلة أنها مرحلة خفوت قوى الثورة، لحساب صعود مبدأ الحرب الأهلية، بوصفه الخيار الوحيد، كما جرى في سورية واليمن أو التخويف منها كتبرير، كما في مصر أو تونس. 

بعد عام 2017، تحول الربيع العربي إلى خريفٍ كامل، وبدت الحرب الأهلية بدل الانتقال الديمقراطي خيارا وحيدا للثورات العربية. ومن ذلك أن السيسي أصبح القائد القادر على إعادة الاستقرار لمصر، مهما كانت الكلفة الإنسانية والبشرية، في ما يتعلق بعدد القتلى أو عدد المعتقلين السياسيين. وأصبح حفتر في ليبيا رمزاً لانهيار كامل لقوى الثورة، أما الأسد في سورية فكان نموذجا فجا لعرى القوة التنفيذية في القتل والتعذيب والإبادة، وبدأ ظهور المليشيات خارج نطاق الدولة، مثل "داعش" في سورية والعراق وليبيا، والقاعدة في اليمن وسورية، والحوثيين في اليمن. 

وبالمقارنة مع مناطق أخرى من العالم، وخصوصا أوروبا الشرقية وأميركا اللاتينية، فإن خمسة عوامل رئيسية لعبت دوراً رئيسياً في ما يطلق عليه فشل عملية الانتقال الديمقراطي في البلدان العربية: 

الأول: لم يساعد النظام القديم النظام الجديد على الولادة، بل لعبت بقايا النظام القديم دوراً رئيسياً في عرقلة التغيير وإفشاله، وحتى ولو وصل الأمر إلى إيجاد مليشيات خارج نطاق الدولة من الشبيحة والحوثيين وحزب الله و"داعش" وغيرهم، ما لعب دوراً في خلط الأوراق، وإفشال عملية التحول. ولم تظهر "الطاولة المستديرة" كما في أوروبا الشرقية التي تعكس المفاوضات السياسية بين القوى المتصارعة، من أجل تحقيق التحول الديمقراطي. 
الثاني: دور مؤسسة الجيش في عملية التحول، كلما كان الجيش أكثر احترافيةً ومهنيةً كان دوره مسهلا وميسراً في عملية التحول الديمقراطي، هذا درس التحول الديمقراطي في أميركا اللاتينية بعد سنوات من حكم الدكتاتورية العسكرية هناك. 
الثالث: حجم الطبقة الوسطى ودورها، كلما كانت أكبر حجماً كان التغيير الديمقراطي أكثر سهولةً ويسراً. 

الرابع: العامل الخارجي والتأثير الدولي، كشف الربيع العربي أن الديمقراطية ليست على أجندة الدول الغربية للمنطقة، وفي مقدمتها الولايات المتحدة. وهذا لا يعني أنها تعادي التحول الديمقراطي في المنطقة، وإنما لا تشجعه بما يكفي من الموارد والتأثير السياسي. على عكس دور الولايات المتحدة في الدفع باتجاه الدمقرطة في أوروبا الشرقية، بعد انهيار الاتحاد السوفييتي. 

الخامس: غياب كامل للمنظمات الإقليمية، فالاتحاد الأوروبي لعب دوراً رئيسيا في وضع المبادئ والشروط لدول أوروبا الشرقية، للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، على عكس جامعة الدول العربية التي تحولت منظمة أوتوقراطية غير ذات فائدة.

تعليقات