فشل مفهوم الدولة في الشرق الأوسط

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

5 أكتوبر / تشرين الأول 2019
تلفزيون سوريا
المؤلف: 

تتدثر معظم الحكومات الشرق أوسطية بلحاف مكافحة الإرهاب في محاولة منها لتغيير السياق العام المتعلق بشؤون التنمية والتطوير والديمقراطية في بلدان تلك المنطقة المنكوبة بحكوماتها.

ولأن التقشف المطلبي لدى مواطني دول شرق المتوسط عموماً قد تدنى ليصل إلى مرحلة مطالبتهم بالحصول على الخدمات الأساسية فقط، تلك التي انعدم وجودها بشكل أساسي، أو متقطع في دول مثل سوريا أو لبنان، أو بشكل يمثل ارتفاعاً هائلاً بمستوى تلك الخدمات التي تعتبر في باقي دول العالم من بديهيات الحياة الأساسية التي لا يمكن التفاوض عليها.. فقد تحول هذا التقشف المطلبي إلى إحباط كبير، ترافق مع فشل انتفاضات وتحركات قامت بها شعوب تلك الدول دون أي نتيجة فعملية إعادة تدوير الفساد في دول مثل العراق أو مصر، عادت كما أنها لم تكن وكما أنه لم يسقط شهداء في سبيل تحقيق تغيير أو أي تحول حقيقي يؤدي إلى رفاهية المواطن على الأقل، مع العلم أن الحراك الشعبي الذي انطلق في تلك الدول المحنطة ديمقراطياً، كان قد رفع سقف المطالب لتصل إلى تغييرات في جسم السلطة بالكامل، لعلم المتظاهرين أن لا شيء سيتغير إن لم يهدم المعبد بالكامل، ومع إدراك الشعب أن مشاركة المواطن العربي في الحكم لا تتعدى الواحد بالمائة من حجم الفعل السياسي الرسمي العربي، ولكنه مع ذلك كان يطالب بتغييرات ما تجعله وتسمح له بالمشاركة بالقرار وتقرير مصيره المشغول عنه بالكامل في سعيه نحو لقمة العيش، فليس هنالك أية برلمانات حقيقية تسمح له المشاركة والتمثيل وإيصال صوته، وليس هنالك صحافة أو مراقبة أو محاسبة ما للعمل الحكومي المنفلت من عقاله، أضف إلى ذلك تعطيل القضاء بشكل كامل، لتصبح تلك الحكومات منفلتة تماماً عن عقالها، تعمل في حرية وفوضى لا مثيل لها في العالم، بينما المواطن العربي والمشرقي المسكين يتفرج بحسرة..

في الأسابيع الأخيرة خرجت مظاهرات مطلبية في لبنان وفي العراق أخيراً، تطالب بحرقة بتحسين فرص المعيشة في تلك البلدان، مع العلم أن السنوات الأخيرة شهدت عدداً لا يستهان به من التحركات لنفس المطالب الخدمية في هذين البلدين دون أي تغيير أو تحسين يذكر، وكأن تلك الحكومات لا تقوى على شيء أبداً ما خلا تخدير المواطنين بوعود وعهود، وشعارات نضالية مستقبلية لا تغني ولا تسمن، مع العلم أن حجم السرقات والفساد المستشري في بلدان مثل سوريا واليمن والعراق ولبنان ومصر وإيران، يعادل ميزانيات دول بكاملها، دون أي حساب أو محاسبة، ودائماً كان الحديث في كل مظاهرة، عن مندسين وطرف ثالث، وعملاء وخونة، يحاولون تخريب البلاد، وكأن البلاد ليست خربة بما يكفي.

إن معدلات الهجرة واللجوء من بلدان الشرق الأوسط نحوأوروبا وأستراليا وأميركا الشمالية، تعد هي الأعلى في تاريخ تلك الدول، (أي أعلى من معدلات الهجرة في بدايات القرن العشرين أيام حرب السفربلك والمجاعات الكبرى)، وهي الأعلى في العالم على الإطلاق، فلاجئو الشرق الأوسط يشكلون أكثر من 70% من اللاجئين في العالم، والعدد مرشح للتزايد بشكل كبير جداً، في بحث استقصائي أجرته صحيفة (كورييرا ديلاسيرا) عن أعداد اللاجئين المحتملين في دول الشرق الأوسط، من الموجودين في بلادهم حتى الآن ويرغبون في الرحيل بسبب تردي الأوضاع المعيشية، بلغت نسبة الرقم في لبنان حوالي 45 % من المستفتين، وفي سوريا في محافظة إدلب بلغت 60%، وفي مناطق النظام 52 %، وفي مناطق شرق الفرات 38%.. بينما بلغت النسبة في العراق حوالي 35% وفي إقليم كردستان 22%، وكانت المفاجأة أن الأرقام في مصر ارتفعت لتصل إلى 19% ممن يرغبون في الهجرة واللجوء إلى الغرب بضفتيه، أما في اليمن والصومال وجنوب السودان فالأرقام كانت مرعبة فهي تصل ممن أجري الاستفتاء عليهم حتى 80%، في ليبيا كان الوضع أقل خطورة حتى الآن فالنسبة تشكل 20%.

دون أن ننسى دولاً تعاني فشلاً إدارياً مثل أفغانستان وأريتريا والأراضي الفلسطينية المحتلة، ويبدو أن الجمهورية الإسلامية في إيران التي تعاني أزمة اقتصادية غير مسبوقة جراء العقوبات الأميركية على نظامها السياسي وممارساته العنفية في المنطقة بشكل عام، ستشكل في حال اندلاع أية مواجهة عسكرية فيها إلى تدفق عشرات الملايين من لاجئيها إلى دول المنطقة ومنها إلى تركيا وأوروبا.. وهذا بالتحديد ما تخشاه الأخيرة، فأزمة اللاجئين وصلت إلى مستويات غير مسبوقة في أوروبا باتت تهدد استقرارها السياسي في مواجهة صعود اليمين المتطرف الذي يرغب من جهة بطرد اللاجئين من أوروبا ومن جهة أخرى يعمل على دعم الأنظمة الفاشلة في الشرق الأوسط، معادلة غير منطقية تدور في دائرة مغلقة، ضحيتها المواطن العربي والمواطن المشرقي بشكل عام.

إن التفسير الأكثر تداولاً على وسائل الإعلام المؤيدة للأنظمة الاستبدادية لمصطلح الدولة: (هو أنها الجهة الوحيدة التي تحتكر العنف في المجتمع)، وهذا أمر مضحك جداً أن يتفق عشرات المحللين والمسؤولين على هذا التعريف متناسين واجب الدولة في تأمين حقوق المواطن وليس خدماته فقط بل رفاهيته وأمانه ومستقبله وكرامته أيضاً، متجاهلين أيضاً ضرورة أن تكون الدولة وعناصرها منتخبين من قبل الشعب، وأن جزءا أساسيا من واجبها تجاه شعبها هو الاستقالة في حال فشلها في تأدية تلك المهام الأساسية، وليس فقط تأمين الكهرباء والماء والمازوت والغاز للمواطنين.

في سوريا ظهرت عشرات التقاريرعن مكافحة الحكومة "غير المنتخبة" للفساد، وانتشرت أخبار وقصص عن مصادرة أملاك أشخاص مقربين من النظام، وتجار وفاسدين ووزراء سابقين، ولكن كل هذا بقي حبيس الصحافة الموجهة المسيطر عليها من النظام، دون أي ظهور لمسؤول أو مصدر رسمي يحدد حجم الأرقام المصادرة، وأسماء من صودرت أملاكهم وأصولهم، وهل سيحاكمون أم أنهم سيلقون مصيراً مجهولاً، أم أن العملية انتهت بمصادرة أموالهم المسروقة فقط، وإن حدث التصريح الرسمي هذا فهو سيفتح باباً للنقاش عن كيفية سرقة الأموال وفتح تحقيق حقيقي في جميع الأموال المنهوبة في سوريا منذ نصف قرن، دون أن يحاسب شخصا واحدا على الأقل. ومن غير المرجح أن يكون المواطن السوري معنياً أو سعيداً بمكافحة الفساد هذه، أو أية مكافحة للفساد لا تعيد الحق لأصحابه أو تعيد المعتقلين لأهاليهم، أو تحاسب مجرمي الحرب على سبيل المثال، في سوريا الحزينة يعرف جميع الأهالي تلك الصيغة الوهمية للعقد الاجتماعي المفروض عليهم منذ نصف قرن، حيث هم رعية لا حق لها إلا في التصفيق ورفع الشعارات، بل حتى إنهم لا حق لديهم في الاعتراض على رئيس مكتب الرياضة الذي أوصل منتخب كرة القدم إلى فشل يليه فشل، وبقي في منصبه حتى اليوم، والحال في سوريا هو جزء لا يتجزأ من فشل مفهوم الدولة العام الذي يصيب الشرق الأوسط، ويحبط مواطنيه ويدفعهم نحو الانفجار مهما كان الثمن الذي سيدفعونه في سبيل تأمين حيواتهم في بلادهم التي لا يملكون فيها أية حق، بينما تقع على عاتقهم كل الواجبات فقط.