فلسطين القضيّة

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

24/ 07/ 2014
العربي الجديد
المؤلف: 

ما يجري من قصف وحشي، ومحاولة اقتحام في غزة، لا يتعلق بغزة فقط، بل بالقضية الفلسطينية. الأمر لا يتعلق بسلطة حماس، فقد كانت وافقت على تشكيل حكومة وفاق، وتشكلت فعلياً. كما لا يتعلق بصواريخ حماس، فالذي بدأ هو الدولة الصهيونية، أرادت الحرب، بعدما وجدت أن مأزق طرفي السلطة الفلسطينية فرض عليهما الوحدة، في وضعٍ لا تريده هذه الدولة. بالضبط، لأن كل استراتيجيتها التي بنت عليها سياساتها، منذ عقود، هو الفصل بين قطاع غزة والضفة الغربية، حيث تريد "هضم" الضفة، وإهمال غزة، وهي في حالة حصار شديد إلى أن "تغور في البحر".

المشكلة التي تنشأ لدى "النُّخَب" و"السياسيين"، في كل مرةٍ يصعّد العدو الصهيوني عدوانه، ويزيد في وحشيته، تكون في أن كلاً منهم يرى الأمر من منظور الخلافات مع حماس، أو مع قوى أخرى ودول أخرى، بما يجعله يبرر العدوان والقتل، ويدين الشعب الذي يقاتل ويضحّي. السياسة ليست نكايات، ولا هي سذاجة تتحوّل المناكفات فيها إلى مواقف، ولا خناقات تفرض ذاتها على المواقف.

فالعدو عدو، بغضّ النظر عن الخلافات الأخرى، والقضية تبقى قضيةً، بغضّ النظر عمّن يقول إنه يدافع عنها، أو يدافع عنها مجبراً لتكتيك معيّن، أو يدافع حقيقةً عنها. في السياسة، ليس مفيداً "لعب الأطفال"، ولا صحيحاً تحكيم الغرائز. وبالتالي، تحويل المواقف بما يطابق الغرائز، أو يطابق الخلافات السياسية. فليس سياسياً مَن يفعل ذلك، ولم يتجاوز مرحلة الطفولة السياسية.

فلسطين قضية، وهي ليست قضية الفلسطينيين فقط، لأن الدولة الصهيونية لم تقم في فلسطين لأنها كانت تريد مكاناً لإيواء "اليهود" من ظلم العالم، بل قامت هنا، في هذا الموقع الاستراتيجي الفاصل بين شرق العرب وغربهم، كقاعدة عسكرية أساساً، جرى تركيب مجتمع "مدني" عليها للتغطية، كما استخدم الدين للتغطية. بالتالي، هي حاجز لمنع، ليس الوحدة فقط، بل لمنع التطور في كل بلد عربي. فلسطين مرتكز فقط، لكي تمارس القاعدة العسكرية دورها العربي، هكذا بالضبط. هذا ما تحسّه الشعوب، وتتأفّف منه "النخب"، لكنه الأساس لفهم الصراع في فلسطين وعليها، وأساساً لفهم الصراع في كل الوطن العربي.

بالتالي، أن يفرح بعضهم بـ"ضرب حماس"، والذين يقتلون هم أطفال فلسطين وشعبها، وأن يكون الموقف من حماس مقياس الموقف من الصراع الراهن، ويصبح تبرير الوحشية الصهيونية أمراً طبيعياً، هو تعبير عن الهزل الذي حكم كثيرين من "النخب" و"السياسيين". في الصراع مع الدولة الصهيونية، ليس هناك خيار غير الوقوف ضدها، هذا ما يحدده وجودها، بالأساس، بعيداً عن حماس وكل الفصائل الأخرى، فالقضية نشأت قبلهم جميعاً، وهي باقية ما دام التطور العربي لم يفرض تغيير ميزان القوى.

وهذه المسألة الأخيرة هي التي باتت مرتبطةً بالثورات في البلدان العربية، حيث الشعوب لا تحمل فقط هدف إسقاط نُظُمها، بل تحمل هموم التطور والوحدة، وفلسطين. حيث ليس من نهضة وتطور وحداثة مع استمرار وجود الدولة الصهيونية. الشعور الشعبي واضح في هذا المجال، المشكلة في النخب المريضة التي لا تميّز بين القضية ومَن يقول إنه يدافع عنها، أو مدّعي الدفاع عنها. فالقضية تبقى هي القضية.