فوضوية المشروع في مواجهة اللامشروع

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

29/6/2015
العرب القطرية

يخطئ من يظن أن العالم العربي سيعود إلى ما قبل ربيعه.. وأكثر خطأ من يعتقد أن سوريا والعراق ولبنان ستعود إلى حدودها الجغرافية القطرية الحالية، فالأحداث التي تسيّدت مشهد السنوات الأخيرة خميرة حقيقية لتجليات ستظهر لا محالة، لا أقصد بذلك التقسيم الذي يحلم به بعض المرضى من الطائفيين الذين خفوا من كل حدب وصوب لقتل الشعب السوري وسحله وتشريده، وإنما أقصد أن الشام والعراق ولبنان بقدر ما يسعى القابضون على رياح الربيع العربي وقفه وتغيير اتجاهه، بقدر ما أن الشعوب المنتفضة تسعى إلى السير صوب النهاية المنطقية بوحدة حقيقية معمدة بالدم والصمود الأسطوري، متحدية اتفاقيات سايكس بيكو التي كبلتها حين رسمت وفرضت عليها، بشكل مضادٍ لحركة التاريخ وسيرورته، ليكتشف الجميع أن هذه الحدود فرضها الاحتلال وحماها القتلة الأسديون خير حماية، وما الصك العالمي بالوعد بالحل السياسي للثورة الشامية بعد مجازرهم التي وقعت وستقع إلا دليل واضح على أنهم كلاب حراسة أمناء لأسيادهم.

منذ سنوات وشعوب هذه المنطقة تدفع ثمناً باهظاً، ربما لعبقرية موقعها الذي تتبوؤه، فهذا قدرها أن تدفع ثمنها وثمن غيرها، يزداد الثمن فداحة لطرح تنظيم الدولة لمشروعه الذي لقي تجاوباً لدى شريحة شبابية ناقمة على الواقع، وهو تجاوب علينا دراسته بتأنٍ وروية لا أن نشتمه وندينه ونرفضه فقط، المشروع باختصار يطرح حلاً لمرحلة ما بعد الدولة القطرية التي شاخت بما فيه الكفاية، والدليل هو التجاوب الذي حصل مع مشروع داعش من قبل شريحة شبابية وجدت الأبواب موصدة في وجهها إن كان على مستوى الدول التي تقاعدت وتكاسلت وخذلت بمستويات مختلفة الشعب العراقي والسوري واليمني، عززه طرح طهران مشروعها دون خجل أو مواربة وهو مشروع لم يُخف هوسه التاريخي بإمبراطوريات ساسانية وفارسية، ولاحظوا لم يطرح إمبراطورية شيعية، وإنما إمبراطوريات فارسية ليستخدم بذلك شيعة عرباً وعجماً وقوداً لمشروعه الشعوبي. مشروع تنظيم الدولة كان واضحاً بغض النظر عن رفضنا للمنفذين والداعين له نظراً لأفكارهم وتطبيقاتهم البعيدة كل البعد عن الدين الإسلامي، والذي تستهدفه في الحقيقة والواقع قبل غيره، فمشروع داعش التي تروج له عبارة عن خلافة، وخليفة وقطع رؤوس الكفرة والمحاربين وكسر وتحطيم لحدود قٌطْرية رسمت في غيبة من شعوب هذه الدول، وكلها تفاصيل تشد شباب العشرينات، وهو يرى خذلان أهله في الشام والعراق بهذا الشكل المخيف والرهيب المتواصلين، بالمقابل يواجه هذا المشروع بتخبط غير مفهوم إن كان من الدول أو التنظيمات الإسلامية فساحة تطالب بدولة مدنية، وأخرى بديمقراطية وثالثة بمرحلة انتقالية من رئيس توافقي في سوريا، ويغيب تماماً خلال ذلك كله تضحيات مئات الآلاف من الشعب السوري، حيث تحول هذه المشاريع تضحياته إلى سوق نخاسة تُباع في المزاد الدولي العلني.

هل من المعقول أن ينتج الحل الجهادي والثوري دولة مدنية، وهل كان بمقدور كل ثورات الأرض من الثورة الفرنسية والروسية والخمينية أن تسلم لخصومها وتشاركهم الحكم وتقبل بدولة مدنية تسمح لهم بأن تواصل أجهزة قمعها وقتلها في مواصلة هوايتها، هوايات القتل والسحل والبراميل المتفجرة والألغام البحرية والكيماوي ومشتقاته، تماماً كما يُراد للنظام البرميلي أن يواصل مهمة قتله وسحله للشعب السوري.

تلك هي جاذبية مشروع تنظيم الدولة، لكن ما يغيب عن العنصر الشبابي وقود مشروع تنظيم الدولة أن مآل هذا المشروع هو نشر الخراب وإشاعته في بلاد الثورات العربية، وغيرها وكأن الأمة السنية، أمة الخراب والدمار والقتل والسحل من أجل القتل والدمار فقط وأنها أمة تسير بغير هدى، وفضلاً عن ذلك هناك التشويه الخطير لهذا الدين.
هنا يبرز دور الجماعات الجهادية والثورية السورية التي لا تزال غامضة وضبابية إزاء مشروع ما بعد رحيل طاغية الشام، مشروع ينسجم مع تضحيات جسيمة لهذا الشعب، ويرتقي إلى حجم تضحيات المضحين على مدى سنوات جمر حقيقية، بحيث يتقدم العلماء والثوار والمجاهدون والمثقفون والسياسيون ويطرحون مشروعاً جريئاً لما بعد سقوط الطاغية يأخذ بالاعتبار كل هذه الحقائق على الأرض ويستشرف مستقبلاً حقيقياً وليس واقعاً متفسخاً فاسداً أفل ولا يمكن له أن يعود.

حين قامت الفصائل الشامية على أرض إدلب ودكت معاقل النظام في المدينة كان ذلك إعلان مراسيم عزاء حقيقية في معاقل تنظيم الدولة بقدر ما كان عزاءً في معاقل الطائفيين بالساحل والعراق وإيران، واليوم ومع مشاركة كل الفصائل في معركة عاصفة الجنوب بدرعا تكرر العزاء تماماً في نفس الأماكن، فالوحدة الجهادية والثورية على الأرض الشامية ضد طاغية الشام هي ما تُفقد مشروع تنظيم الدولة مبرراته وجاذبيته، وكلما تعززت هذه الوحدة وانتقلت من نجاح إلى نجاح ومن نصر إلى نصر فإن مشروع تنظيم الدولة سيتراجع ويضمحل ويذوي.

ليس من الحكمة أن تُظهر وتبين فساد وخطل مشروع الآخرين بالكلام فقط دون البديل العملي، حينها سيظهر خط مشروعك المستقيم بين خطوط المشاريع المعوجة، أما أن تكرر المكرر وتعيد المعاد عن فساد مشروع التنظيم دون أن تقدم البديل في زمن الوقت فيه من دم في الشام والعراق، فذاك لن يكون إلا تقوية لمشروع تنظيم الدولة وتعزيزاً له وتخدمه أكثر مما تخدم نفسك ومشروعك.

مشروع تنظيم الدولة في حقيقته وواقعه إنما يقتات على إهمال أفرقاء الثورة السورية وتقاعسهم وتكاسلهم، تماماً كما يقتات على خذلان العالم كله وتآمره، وإلا فلم تنتشر فيديوهات القتل والنحر لداعش بينما تصوم كثير من وسائل الإعلام عن ممارسات المليشيات الطائفية الأخرى، ومع هذا لا يبرر ذلك مشروع داعش الذي هو في حقيقته مشروع تدميري عدمي ينطبق عليه قول الإمام ابن تيمية رحمه الله: «العاقل لا يبني قصراً ويهدم مصراً».
 

تعليقات