فيينا وتحديات حل المسألة السورية

المواد المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

 

أكد بيان فيينا على ضرورة أن تتفق الدول المجتمعة على تحديد الفصائل والجماعات العاملة في سورية التي ستدرج على قوائم "الإرهاب". وأوكل إلى الأردن مهمة العمل على إعداد هذه القائمة بمساعدة عدد من ممثلي مخابرات الدول المشاركة وذلك قبل انطلاق العملية السياسية. وقد استفاد الجانب الروسي من تفجيرات باريس التي وقعت عشية اجتماع فيينا الأخير، وإعلان تنظيم "الدولة الإسلامية في العراق والشام" مسؤوليته عنها، للدفع باتجاه فرض رؤيته على المؤتمرين وجعل محاربة "الإرهاب" العنوان الرئيس للحرب في سورية، وعنوان التوافق على حله كذلك.

وبالتوازي مع الاتفاق على تصنيف التنظيمات الإرهابية ومحاربتها، جرى التوافق على ضرورة إطلاق عملية سياسية وفق جدول زمني تم تحديده بثلاث فترات متلاحقة تنتهي في ديسمبر/كانون الأول 2017. وتنطلق العملية التفاوضية برعاية الأمم المتحدة في الفترة الأولى، التي تبدأ مطلع عام 2016، وتهدف إلى الاتفاق على آليات وقف إطلاق النار، بينما تشهد الفترتان اللاحقتان الإعلان عن تأسيس حكمٍ "ذي صدقية وشاملٍ وغير طائفي وإصلاحات دستورية"، ومجموعة من الاستحقاقات التمثيلية كالانتخابات الرئاسية والبرلمانية تحت إشراف الأمم المتحدة؛ بحيث تشمل السوريين كافة في الداخل والخارج، سواء في مخيمات اللجوء أو بلاد المهجر.

فيينا: فرصة للحل؟

بعد مرور نحو خمسة أعوام على بدء الثورة السورية ومع غياب عملية سياسية ذات صدقية تفضي إلى حل، حرصت الأطراف الدولية والإقليمية الفاعلة في الأزمة السورية على عدم السماح بالإخلال بالتوازن في المعادلات العسكرية على الأرض، فلم يكن أي طرفٍ يسمح بهزيمة حلفائه أو انتصار خصومه. وقد تجلت هذه النزعة بصورة واضحة بعد التدخل العسكري الروسي المباشر إلى جانب النظام؛ إذ زادت القوى الداعمة للمعارضة من مستوى دعمها ما أفضى إلى إفشال الخطط الروسية الرامية إلى إحداث تغيير جوهري في موازين القوى على الأرض. لقد أدى فشل التدخل الروسي في ذلك، والخشية من الانجرار إلى حرب استنزاف في سورية، فضلًا عن تنامي تهديدات تنظيم الدولة، وتفاقم أزمة اللجوء السوري، وتحول سورية إلى عبء أمني واقتصادي وأخلاقي، إلى التحوّل نحو مسار فيينا لبث "الروح" في العملية السياسية المتعثرة منذ مؤتمرات جنيف. ودعت عوامل أخرى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى العمل بصورة استباقية لفرض شروطه للحل في سورية، ومنها ظهور بوادر تغيّر في المشهدين الإقليمي والدولي بعد حل أزمة الملف النووي الإيراني وعودة طهران التدريجية للحظيرة الدولية، فاتحة الباب أمام إعادة تشكيل النظام الإقليمي وترتيب أدوار الفاعلين فيه، واقتراب موعد الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة. وقد عجل في ذلك ظهور بوادر التفكك والتصدع في بنية النظام ومؤشرات على قرب انهيار الجيش السوري، بالتوازي مع فشل إيران وحلفائها في تغيير خرائط السيطرة على الأرض.

لقد وظفت الدبلوماسية الروسية بنجاح عدم فاعلية التحالف الدولي الذي تقوده واشنطن ضد تنظيم "الدولة" كمبرر للتدخل في سورية. كما تحاول أن توظفه باتجاه فرض حل سياسي بعد أن تحولت إلى طرف رئيس لا غنى عنه في تحديد مستقبل سورية؛ ما جعل موسكو محطة إجبارية للتحركات السياسية والدبلوماسية الباحثة عن حل للقضية السورية التي أخذت نتائجها تنعكس بشكل مباشر على الأمن الإقليمي والدولي. وقد أدى ذلك إلى التوصل إلى نقاط مشتركة كانت الأساس العملي لبدء عملية سياسية أسفرت عن فتح مسار فيينا.

وفضلاً عن ذلك، أدى فشل مساعي المبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا إلى تخليه عن طروحاته السياسية غير المقبولة لمعالجة القضية السورية، مثل سياسات التجميد الجزئي للعمليات العسكرية، ومحاولة تجاوز واقع الصراع وأسبابه من خلال العمل على توحيد جهد النظام وفصائل المعارضة في مواجهة الجماعات المتطرفة، ودفعه نحو التحول إلى مقاربة أوسع تقوم على البحث عن مدخل لوقف إطلاق النار في إطار عملية سياسية شاملة تفضي إلى مرحلة انتقالية تستند إلى توافق إقليمي ودولي، علاوة على إشراك القوى الإقليمية المؤثرة في المشهد السوري. وكانت الغايات المشتركة بين موسكو وواشنطن والمتمثلة في مواجهة تنظيم "الدولة" عاملاً دافعاً لتظافر الجهد وتهيئة المناخ العام للقاء موسع يجمع الأطراف المؤثرة كافة وإطلاق عملية سياسية بالحدود الدنيا. لكنّ هذه المساعي التي حاولت التركيز على المشترك وتأجيل البحث في أهم القضايا الخلافية، ظلت تشكل عوامل تفجير محتملة لكل أركان العملية السياسية، وعلى رأسها مستقبل بشار الأسد، وموضوعات مشاركته في أية انتخابات محتملة قادمة، وموقعه خلال المرحلة الانتقالية، وصلاحياته وعلاقته بالجيش وأجهزة الأمن، وغيرها من القضايا التفصيلية الحساسة. كما أنّ تصنيف الجماعات الإرهابية سوف يشكل نقطة خلاف كبرى أخرى وسط محاولات روسيا وإيران أن تشمل القائمة معظم فصائل المعارضة في ظل صمت أميركي مريب.

موقف المعارضة السورية وخياراتها

تجد المعارضة السورية المسلحة نفسها في مواجهة شرسة لصد كل محاولات التقدم على الأرض التي تقودها مليشيات إيرانية ولبنانية وعراقية مدعومة بغطاء جوي روسي من جهة، وقوات تنظيم الدولة من جهة ثانية، فضلًا عن قوات النظام السوري وبراميله المتفجرة من جهة ثالثة. ولكنّ معركتها السياسية القادمة تبدو أكثر شراسة؛ إذ جرى استبعاد المعارضة (والنظام أيضاً) عن مشهد فيينا، وانحصر دورها في التفاوض على آليات تنفيذ الحل وليس على أسسه أو منطلقاته. ويضع هذا المشهد فصائل المعارضة الإسلامية كافة أمام شبح التصنيف كمنظمات إرهابية في حال رفضها لهذا المسار المتفق عليه أميركياً وروسياً.

ويزداد المشهد تعقيداً بدعوة قوى متنافرة من المعارضة السورية إلى مؤتمر الرياض، المزمع عقده مطلع ديسمبر/كانون الأول 2015؛ إذ قد تتحول المفاوضات إلى التفاوض بين هذه القوى. إنّ تحضير وفد موحّد للمعارضة مهمة صعبة، ولكنها تبدو سهلة مقارنة مع مفاوضات لا يوجد أساس واضح أو حدود معروفة لها، ومع نظام ازداد تعنتاً منذ التدخل الروسي، ويناور بين روسيا وإيران، ولا يبدو أنه مقبل على تقديم تنازلات.

تجد المعارضة السورية نفسها اليوم أمام امتحانٍ كبير، فإما الدفع باتجاه توحيد الجهد والتنسيق الكامل قبل الدخول في عملية سياسية بوصفها صفاً متماسكاً، ومن ثمّ تحدث تغييراً كاملاً في الخطاب والسلوك، وتنهي التنافس والقطيعة بين العسكري والسياسي وكل ما من شأنه إثبات مقولة النظام عن عدم وجود شريك في العملية السياسية، أو أنه سيجري تصنيف من يعترض في قائمة الإرهاب التي تحولت إلى سيف مسلط على رقاب الجميع. تأسيساً على ذلك، سوف يشكل مؤتمر الرياض فرصة لقوى المعارضة السورية لتنظيم الصفوف بدلاً من ترك الباب مفتوحاً أمام القوى الدولية لاختيار وفد المعارضة الذي يفاوض النظام وفرضه، وخاصة مع تسريب قوائم مختلفة للقوى الدولية حول الأسماء التي ترغب في وجودها في وفد المعارضة وبشكل مهين للشعب السوري ونضاله وتضحياته. كما يمكن أن يشكل هذا المؤتمر مدخلاً لتحسين شروط المعارضة، خاصة أنّ تفاهمات فيينا ما زالت غير حاسمة وغير نهائية وما زال هناك هامش لتحسين ظروف المعارضة السياسية والتفاوضية وحتى العسكرية.

تمثل بيانات فيينا، وبخاصة البيان الأخير، مرحلةً جديدة في القضية السورية، قد تفضي إلى بدء عملية سياسية. ولكنّ قدرة القوى الإقليمية والدولية المؤثرة على تعطيل المسار قائمة؛ إذ لا يزال الخلاف محتدماً حول مصير الأسد ودوره في المرحلة الانتقالية، وحول التعامل مع ملف الجماعات الإرهابية، فضلاً عن الخلاف بشأن تحديد مآل هذه العملية المرتبطة بآليات وقف إطلاق النار ومراقبته. وتعدّ المسألة الأخيرة معقدةً للغاية نظراً لوجود فصائل كثيرة على الأرض، ولصعوبة تحديد خطوط التماس في بعض المناطق؛ ما يجعل تحديد الجهة التي تخرق وقف إطلاق النار مستحيلاً. ولكن، بما أنّ مسار فيينا هو المسار الوحيد القائم في ميدان التحركات السياسية لحل المسألة السورية اليوم، فيتوقع أن تشهد الفترة القادمة تكثيفاً للحركة الدبلوماسية بحثاً عن فرص تعزيز بيان فيينا ودعمه. وفي الحالات كافة، وبغض النظر عن آفاق نجاح مسار فيينا، فإنّ المعارضة السورية يجب أن تقيم مؤسساتها العسكرية والسياسية الموحدة وبرلمانها وهيئتها التنفيذية.

تاريخ النشر من المصدر: 
24/ 11/ 2015
المصدر: 
المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات