في أسباب الانسحاب الأميركي من سورية

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

24 - 12 - 2018
العربي الجديد

لا يستطيع هذا المقال تقديم إجابة واضحة ومكتملة عن الأسباب العميقة وراء قرار الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، سحب القوة الأميركية من سورية، لكن معطيات سابقة وحالية يمكن البناء عليها من أجل فهم دوافع القرار.

وفق إحدى المقاربات التي يمكن الاعتماد عليها جزئيا أن سورية لم تكن ولن تكون في أي يوم جزءا من الفلك الأميركي، أي جزءا من دائرة المصالح الأميركية العليا. ويدرك صناع القرار في واشنطن هذه جيدا، وهي السبب الذي جعل واشنطن، خلال عمر الأزمة السورية، لم تذهب بعيدا في القضاء على النظام واستبداله بقوى أخرى، ولم تجنح كثيرا إلى إيجاد حلول خلاقة للأزمة، بقدر ما اقتصر الدور الأميركي على التعطيل أكثر منه على الفعل، فهي التي عطلت سابقا حصول فصائل المعارضة على السلاح الثقيل، وعطلت أدوار بعض الدول العربية في الملف السوري، وعطلت اندفاعة الدول الداعمة للمعارضة على المستوى السياسي. وفي المقابل، هي التي عطلت حرية التحرك الإيراني في الشرق السوري، وهي التي عطلت الاندفاعة الروسية نحو إنتاج حل سياسي يستقيم مع رؤية النظام، وهي التي عطلت الاندفاعة التركية في شرق الفرات.

انسحاب 2500 جندي أميركي قد لا يعني أي شيء على الصعيد العسكري، فالحضور العسكري الأميركي لا يُختزل بعديد القوات في سورية، وإنما بالقوة العسكرية الأميركية المطلقة القادرة على التحرّك من أي مكان، بشرط أن لا يكون الانسحاب جزءا من انسحابٍ على المستوى الاستراتيجي.

من غير الواضح بعد ما إذا كان سحب القوات الأميركية من سورية يعني انسحابا على المستوى الاستراتيجي من مجمل الساحة السورية، بما فيها السياسية، وأغلب الظن أن الولايات المتحدة ليست بصدد الانسحاب الاستراتيجي من سورية، بقدر ما هي إعادة تموضع، واعتماد أساليب جديدة تفرضها المرحلة المقبلة.

لقد وصلت الأمور في سورية إلى مرحلة انفجار الصراع بين المحور الروسي والولايات المتحدة، على عكس ما يبدو في الظاهر من حالة ستاتيكو (ثبات) تخيّم على كامل المشهد. فمن جهة تبدو المعطيات أن دمشق وموسكو عازمتان، العام المقبل، على إرباك الوضع في الشرق والشمال الشرقي من سورية، في وقتٍ لا يبدو أن الأتراك على استعدادٍ للتخلي عن مهاجمة الوحدات الكردية في عمق الأراضي السورية شرق الفرات.

لا يعني ذلك هروبا أميركيا بالمعنى الحرفي، وإنما إعادة تموضع وعدم الانخراط في التفاصيل العسكرية الجزئية المباشرة. والمقاربة الأميركية يمكن أن تكون كالتالي: تقليص الانخراط الأميركي المباشر في الصراعات الإقليمية، عبر البحث عن شركاء محليين وإقليميين ودوليين، يخففون من الحضور الأميركي، مع الحفاظ على المصالح العليا لواشنطن.

ربما تكون هي محاولة لإجراء فصل بين الأهداف السياسية العامة عن الأهداف العسكرية المباشرة والسريعة، بمعنى أن عملية محاربة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) وحدها التي تجمع بين الأهداف السياسية والعسكرية للولايات المتحدة. وفيما يتعلق بإيران، ودعم الوحدات الكردية، والتسوية السياسية، فهي أهداف عامة لواشنطن طويلة الأمد وغير مرتبطة بالأهداف العسكرية.

إضافة إلى ذلك كله، لن يعود الوضع في سورية القهقرى، إلى الوراء، بسبب الوجود العسكري الروسي، وهذا هو السبب في اختلاف الواقع السوري عن الواقع العراقي، فالولايات المتحدة لا تستطيع سحب قواتها كاملة من العراق، حيث لا بديل عنها.

بعبارة أخرى، ستكون روسيا الضامن الوحيد للحفاظ على الوضع الراهن في سورية، وهي التي ربما (وهذه إحدى مفارقات السياسة) منوط بها إعادة ترتيب المشهد بما لا يضر بالمصالح الأميركية. ولا يُستبعد أن تكون روسيا ضامنا للمصالح الأميركية المتبقية في سورية، في مقابل ضمان الولايات المتحدة المصالح الروسية في العراق. وربما من المهم الإشارة هنا إلى أن القوات الأميركية المنسحبة من سورية ستنتشر في العراق، في وقت تعيد واشنطن تموضع قواتها على الحدود العراقية السورية. كما من المهم التأكيد على نقطة أخرى، هي أن الولايات المتحدة لم تنسحب من التحالف الدولي.

يشير ذلك كله، وفق هذه القراءة غير المكتملة، إلى أن الولايات المتحدة ليست بصدد الانسحاب كاملا من المشهد السوري، بقدر ما هي محاولة لموضعة أهدافها المتغيرة. والمشكلة الآن في عدم قدرة فرقاء الصراع على تحديد هوية المصالح الأميركية، وربما هذا هو السبب في تريث القوى المحلية والإقليمية والدولية في اتخاذ قراراتٍ سريعة. فالرئيس التركي أرجأ العملية العسكرية إلى حين، والنظام بدأ خطوات خجولةً بتعزيز قواته في البوكمال، وإرسال قوات قليلة إلى بلدتي حربل وأم حوش الخاضعتين لسيطرة "قوات سوريا الديمقراطية" في ريف حلب الشمالي، من دون وجود معطياتٍ بشن عمليات عسكرية حاليا، فيما تنتظر روسيا انجلاء الصورة بالكامل، أما الوحدات الكردية فتعيش حالة تخبّط كبيرة، وغير قادرة على لملمة شتاتها.

في كل الأحوال، سيؤدي هذا الانسحاب إلى تغيير في خريطة المصالح داخل سورية. لا يتعلق الأمر هنا، كما سبقت الإشارة، بنوعية الانسحاب، وإنما بمبدأ الانسحاب الذي سيدفع مختلف القوى إلى إعادة ترتيب مصالحها واصطفافاتها.

تعليقات