في إعادة إنتاج نظام الأسد

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

29/11/2014
السورية نت
المؤلف: 

في أواخر التسعينيات من القرن الماضي عملت في مركز للتعاون الدولي في مونتريال، كان دوري إصدار مجلة شهرية اسمها "أرابسك" باللغة العربية، مما سمح لي بالاحتكاك بأغلب النشاطات المتعلقة بالمنطقة العربية.  كان المركز أحد الجمعيات غير الربحية المدعومة من الناس والحكومة الكندية، وكان جل اهتماماته في البداية هي دعم القضية الفلسطينية فكرياً وحقوقياً وإعلامياً في مونتريال خاصة وكندا عامة. ثم توسعت نشاطاته لتشمل دعم الديمقراطية في البلاد العربية وحقوق الإنسان والنساء والأطفال، وكان دوره وسيطاً بين الممول والأطراف المستفيدة من التمويل. وقد قدم على مدى سنوات الكثير من الخدمات للشباب في مصر ولبنان والأردن وفلسطين، ونفذ الكثير من المشاريع المشتركة في هذه البلدان بنجاح، دون أن يغيب عن بال العاملين، في هذا المركز وغيره، الهدف المركزي من هذه النشاطات ألا وهي تحسين صورة كندا في الخارج، ولم يكن هناك خلاف حول هذه النقطة بين العاملين، ففي النهاية كلنا كنديون، وكندا بلدنا رغم الانتماءات المتعددة لبلداننا الأصلية وثقافتنا الأم.

إن النوايا الحسنة، والرغبة في نشر الديمقراطية، في بلدان ما كان يُعرف باسم بلدان العالم الثالث، لم يكن كافياً لمنع وقوع الأضرار على هذه الحركات، وعلى الفاعلين فيها، فقد رأيت عشرات الحالات التي تم فيها تخريب النشطاء عن غير قصد أو عن قصد، وعبر عمليات معقدة أحياناً وبسيطة وسهلة في حالات أخرى، فكيف يجري الأمر؟

تقوم المؤسسات الوسيطة، غير الحكومية، وأحياناً الحكومية، واعتماداً على علاقات فكرية سابقة مع نشطاء المجتمع المدني، كل في مجاله (سياسية، نسائية، حقوق إنسان، أطفال..الخ) باختيار الأكثر نشاطاً وفاعلية في وسطه الاجتماعي والمهني والسياسي، وغالباً يكون هذا من الفقراء الذين يسعون لتغيير القوانين في الدولة التي تعيق تطور العمل في المجالات سابقة الذكر، ويتم دعوتهم للالتحاق بدورات تدريبية بهدف رفع قدراتهم على العمل في أوساطهم.

وفي هذه الدورات التي تأخذ عشرات الأشكال، يتم وضع الشروط اللازمة والتي يحتاجها الناشط للقيام بعمله على أحسن وجه، (كمبيوتر، كاميرا، مكتب، فاكس، فوتوكوبي، سكرتيرة ، ،….إلى آخر ذلك من اللوازم)، بالإضافة إلى تخصيص راتب له بالدولار أو ما يعادله، بحيث يؤدي وضعه الجديد إلى عزله عن الوسط، الذي كان فاعلاً فيه أولاً، ثم باعتياده على الصرف والحياة بأسلوب المتمكن مالياً، ما يساهم بدوره في اكتساب عادات البذخ والإفساد فيصبح مع الوقت أسيرها، ويتحول همه إلى المحافظة على الدخل الذي يعيش منه بهذه الطريقة حتى لو اضطر أحياناً لبيع ذاته وقناعاته. وقد نلاحظ الكثير من هذه الحالات الآن في أوساط المعارضة السورية، والتي تحولت لتصبح "شبيحة" لصالح من يملك المال من أفراد وقوى.

في ذلك الزمن، البعيد جغرافياً وزمانياً، رأيت أحد المحامين الشباب المصريين يبكي أولاً على الهاتف، ثم في المكتب الذي كنت أعمل به، من أجل الحصول على منحة جديدة، فقد بات نمط حياته الجديد (مكتب في عمارة فاخرة، فاكس، سكرتيرة، راتب شهري) مهدداً بالاختفاء، وقد سمعته يقول لأحدهم إنه مستعد أن يقوم بأي شيء في مصر من أجل الحصول على منحة جديدة.

هذه الحالة رأيتها هنا، فمنذ أربعة أشهر وأنا ألتقي بين الحين والآخر بنشطاء سياسيين سوريين أو نشطاء المجتمع المدني من إعلام وإغاثة وتعليم وصحة وغيرها، تم استقدامهم من الداخل السوري بهدف تمكينهم من الأعمال التي كانوا يقومون بها، وعلى أمل العودة إلى الداخل السوري لمتابعة ما كانوا يقومون به، ولكن أغلبهم فضل البقاء في تركيا مثلاً أو قرر العودة إليها بعد تعرضه لمضايقات في الداخل، ولكن المحصلة أن هؤلاء خسرهم مجتمعهم وخسرتهم ثورتهم وتحولوا شيئاً فشيئاً إلى أسرى المساعدات المالية من قوى المعارضة أو من المؤسسات التي يأملون أن تساعدهم، بل الأخطر من ذلك هو في بعض الأحيان تحولهم إلى أعداء ضد بعضهم، ينصبون المكائد ويمارسون نفس الأعمال التي ثاروا عليها في سلطة آل الأسد من تشبيح وعمالة لصالح الأقوياء في المعارضة رجالاً ومؤسسات.

ختاماً، لا بد من الإشارة إلى ظاهرة المؤتمرات الكبيرة والصغيرة، التي يتم الدعوة لها وتمويلها من قبل بعض الدول الإقليمية، تحت شعارات براقة عن سوريا المستقبل، إلا أن الحقيقية الملموسة حتى الآن من نتائجها على أرض الواقع، أنها تساهم في إبعاد النشطاء السياسيين السوريين عن ساحة الفعل، وفسح المجال أمامهم للاستقرار في الدول الأوروبية، وهكذا يأتي هذا النشاط ليكمل الخطوة الأولى التي ساعدت على تفريغ سوريا من النشطاء، تاركين بذلك المكان "للتطرف" كي يشغل كامل اللوحة المعروضة للناس والعالم، التي سعى النظام الأسدي منذ اللحظات الأولى لانطلاقة الثورة ومعه بعض أطراف المجتمع الدولي، أن يلبسها لسوريا الثورة كي تكون ثورة "إرهابية" فقط.

لقد تطفلت في الأيام الأخيرة وحضرت، دون دعوة رسمية، أحد المؤتمرات الذي عقد في إسطنبول من أجل السلام  ولكي تكون سوريا مستقبلاً "لكل السوريين، وهالني، أثناء نقاش البيان الختامي، حجم النفاق والتزلف من قبل بعض السوريين إلى راعي المؤتمر الأجنبي، فعندما كان يتم، مثلاً، نقاش بعض الفقرات، التي يطالب بعض المشاركين في المؤتمر، الدعوة إلى تغييرها، كان يسارع بعضهم الآخر للقول: إننا فعلنا هذا، وصغناها بهذه الطريقة وهذا الشكل كي لا تتماشى مع رغبة الراعي، وهكذا، لم يبق أمام المشاركين الحريصين على الاستمرار في حضور المؤتمرات اللاحقة إلا الموافقة على ما "يريده" ممول المؤتمر أكان فرداً أم دولة. لدرجة شعرت أن الممول في الواقع لا يريد أن يكون الأمر على هذه الصورة، أو أنه لا يبحث عن "عملاء"، وإنما نحن، كنا بسلوكنا كمن يعرض عليه "خدماتنا"، مبرهنين له أو لهم بأننا سنكون من أفضل الرجال الذين يستطيع الاعتماد "علينا" مستقبلاً.

كانت تجربة التصفيق والانبطاح لحافظ الأسد تتكرر أمام عيوني، للأسف الشديد. صحيح أنني لم أصفق، ولكنني ساهمت فيها من خلال بقائي في مكاني، حفاظاً على "الأخلاق" البروتوكولية.