في الطريق إلى الانتخابات البرلمانية الأوروبية

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

الحياة
المؤلف: 

لا شك أن الاتحاد الأوروبي (28 دولة بما فيها بريطانيا)، يُعد أقوى وأكبر تكتل إقليمي على الساحة الدولية. وهو، وإن كان تأسس بناء على "اتفاقية ماسترخت" في عام 1992، إلا أنه تبلور في شكله النهائي عبر تطور امتد منذ خمسينات القرن العشرين.

ولدت فكرة التكتل الأوروبي بغرض منع قيام حرب عالمية ثالثة، بعد الدمار الهائل الذي شهدته القارة الأوروبية جراء الحربين العالميتين، الأولى (1914 - 1918) والثانية (1939 - 1945).
وللاتحاد الأوروبي نظام سياسي فريد، فهو مؤسسة "فو - قومية"، أي أنه يقتطع من سيادة الدول الأعضاء لصالح الكتلة. ومن هنا، تأتي أهمية المؤسسات التي تشكل الهيكل الأساسي للاتحاد، فنجدها تضم ما يُعرف بـ "المثلث الإداري": مجلس الاتحاد الأوروبي، المفوضية الأوروبية، البرلمان الأوروبي. ولكل منها وظائفه وتخصصاته المحددة. فضلاً عن "المجلس الأوروبي" الذي يضم رؤساء الدول الأعضاء وقادتها ومعهم رئيس المفوضية الأوروبية، وهو معني برسم السياسات العامة للاتحاد.

ينعقد "مجلس الاتحاد الأوروبي"، في بروكسيل أو لوكسمبورغ، وهو معني في المقام الأول بتمثيل مصالح الدول الأعضاء داخل أوروبا، مثلما يهتم بشؤون السياسة الخارجية للاتحاد. وهنا، تجدر الإشارة إلى أن الأدبيات السياسية، دائماً تصف الاتحاد الأوروبي بأنه "قصة نجاح"، ولا يقلل من ذلك أن تعتبره الأدبيات نفسها "عملاقاً اقتصادياً وقزماً سياسياً"؛ إذ تغيب عنه الإرادة السياسية الموحدة والفاعلة، التي تمكنه من النهوض بدور بارز على الساحة السياسية الدولية. وفي هذا السياق، نُشير إلى نموذج لطالما عانت منه قضايانا العربية؛ إذ لم تترك الولايات المتحدة للاتحاد الأوروبي حرية لعب دور حقيقي في الصراع العربي - الإسرائيلي، وهي تسمح له فقط بمساحة ما داخل المحاور الاقتصادية والاجتماعية. أما المحور السياسي، فهو محجوز للقطب الأوحد. وكثيراً ما وجدنا الاتحاد الأوروبي يعجز عن المشاركة بجدية في الحل السياسي للقضية الفلسطينية، لكنه يقدم الدعم المالي للفلسطينيين، فيبني ويعمر ما هدمته إسرائيل، ثم تعود إسرائيل لتهدمه ثانية، فتفتر العزيمة الأوروبية عن مواصلة الدعم المالي إلا في حدود ما تسمح به واشنطن من ضوء أخضر.

والواقع، أن الاتحاد الأوروبي تأسس على قواعد اقتصادية وتجارية، باعتبار أن المصالح الاقتصادية المشتركة، وحدها القادرة على إبعاد شبح حرب عالمية ثالثة. ثم أن الولايات المتحدة كانت بمثابة الراعي الأول لأوروبا بعد الحرب العالمية الثانية؛ إذ قدمت "مشروع مارشال" عام 1947، الذي منح أوروبا قُبلة الحياة، كما أنه في الواقع أدار ماكينات المصانع الأميركية باستمرار لتلبية الطلبيات الأوروبية. ولو أضفنا إلى ذلك صعوبة تشكيل إرادة سياسية واحدة للتكتل، فإن التبعية لواشنطن لا تثير علامات استفهام حقيقية، بقدر ما تزيد الشوق إلى أيام الحرب الباردة، منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية في عام 1945، وحتى انهيار الاتحاد السوفياتي مطلع التسعينات من القرن العشرين، التي وفرت مساحات واسعة من المناورة أمام الدول النامية والصغيرة للعب على حبال التنافس بين المعسكرين الغربي والشرقي.

أما الضلع الثاني في "المثلث الإداري"، فهو "المفوضية الأوروبية" (مقرها بروكسيل)، ومهمتها حماية مصالح الاتحاد الأوروبي ككل وتنميتها، وهي الممثل الرسمي للاتحاد الأوروبي في المفاوضات الدولية، كما تقترح القوانين والاتفاقات المعنية بمصالح الكتلة، وتشرف على تنفيذها ومدى الالتزام بها.

وثالثاً، نأتي إلى "البرلمان الأوروبي"، الذي تمتد ولايته لمدة خمس سنوات، ومقره في ستراسبورغ، وينعقد أيضاً في بروكسيل أو لوكسمبورغ، وهي نقطة يبحثها الاتحاد الآن، بغرض خفض النفقات. وتُصر فرنسا على ستراسبورغ مقراً للبرلمان، الذي يعد بمثابة الجهاز الرقابي والاستشاري للاتحاد؛ إذ يراقب عمل المفوضية، ويمثل مع "مجلس الاتحاد الأوروبي" السلطة التشريعية للكتلة، فيشارك في وضع قوانين الاتحاد، وتحديد موازنته، ويصادق على اتفاقاته الدولية.

تماسك الاتحاد الأوروبي في مواجهة هزات عنيفة عبر مشواره الطويل، لعل أقربها السعي البريطاني الحثيث للخروج منه (بريكزت)، وهو الملف الساخن الذي يتابعه العالم عبر ما أحدثه من صراع سياسي داخل بريطانيا، أعرق الديموقراطيات المعاصرة، كجزء من صعود تيار اليمين المتطرف الشعبوي المناهض للكتلة الأوروبية، والمنحاز بقوة إلى قومية كل دولة، رافضاً كل مظاهر العولمة، وداعياً إلى منع الهجرة غير الشرعية بكل الوسائل، بل ورفض غير الأوروبيين على الأرض الأوروبية. وفي ذلك، يتجه اليمين المتطرف الشعبوي، إلى مناهضة حكم النخبة الذي فشل في معالجة هذه القضايا. وعلى رغم أن العام 2016 شكل ذروة صعود اليمين المتطرف الشعبوي، إلا أن صعوده تباطأ بعد ذلك لكنه لم يمت. وفي المناسبة، نذكر أن "المرشح الجمهوري" ترامب (الرئيس دونالد) اجتمع في عام 2016 مع تحالف اليمين الأوروبي الشعبوي الذي أنشأه ستيف بانون مستشار حملته الانتخابية؛ ورأى هؤلاء في فوز ترامب في انتخابات سبتمبر 2016 قوة دفع هائلة لهم.

بين 23 و26 أيار (مايو) الجاري، تجرى الانتخابات البرلمانية الأوروبية، وهي انتخابات متعددة الجنسيات، تتم وفق نظام التمثيل النسبي في كل دولة عضو على حدة، بعدد يتناسب وعدد سكانها. ومن هنا، فإن لدى ألمانيا (83 مليون نسمة)، أكبر عدد من الأعضاء في البرلمان الأوروبي، وكان ذلك أحد أسباب رفض منح تركيا (80 مليون نسمة) عضوية الاتحاد، لأن عدد سكانها سيتيح لها المرتبة الثانية بعد ألمانيا في عدد الأعضاء، ما يجعل منها صاحبة تأثير قوي في القرار الأوروبي منذ دخولها، هذا إلى جانب أسباب أخرى، تتعلق بسجل الحريات العامة في تركيا، كما أن كونها دولة إسلامية، قد يجعل من حصولها على عضوية "نادي مسيحي" يسبب مشاكل اجتماعية لا ضرورة لها، يضاف إلى ذلك رخص أسعار البضائع التركية مقارنة بمثيلاتها الأوروبية الأعلى والأكثر جودة، ما يشكل منافسة قد تُحسم لصالح البضائع التركية.

ومن أبرز ملامح الانتخابات البرلمانية الأوروبية، إعلان بريطانيا مشاركتها فيها، بعد تفعيل المادة 50، وبموجب ذلك، تم تمديد مهلة الـ "بريكزت" إلى 31 تشرين الأول (أكتوبر) المقبل، بعد فشل اتمام الخروج قبل موعد الانتخابات. وعليه، ستجري الانتخابات في 28 دولة، تضم قرابة 512 مليون نسمة. وقد يكتمل الـ "بريكزت" قبل بدء أعمال الدورة المُقبلة للبرلمان؛ ومن ثم، لن ترسل بريطانيا ممثليها. علماً أن البرلمان الأوروبي سبق أن احتاط للأمر، فصوت في شباط (فبراير) الماضي لصالح خفض عدد أعضائه من 751 إلى 705 حال نجاح "بريكزت". ويشير آخر استطلاعات الرأي إلى أن فريق اليمين المتطرف الشعبوي الأوروبي إضافة إلى البريطانيين، سيحصد 23 في المئة من الأصوات. وبانتقال النواب الـ 13 المتوقعين من الحزب الحاكم في المجر إلى كتلة شعبوية جديدة، ترتفع نسبة اليمين المتطرف الشعبوي إلى نحو 25 في المئة، متجاوزاً بذلك المسيحيين الديموقراطيين الذين يحتلون إلى الآن المرتبة الأولى داخل البرلمان الأوروبي. بعد أن كانت نسبة اليمين المتطرف 11 في المئة في انتخابات العام 2009، ثم ارتفعت إلى 20 في المئة في انتخابات 2014. لكن تقارير أخرى تؤكد أن فشل الـ "بريكزت" أتاح الفرصة لمراجعة مواقف كثير من المناهضين للكتلة الأوروبية. وفي حين يقلل اليمين المتطرف الشعبوي من أهمية الانتخابات البرلمانية، فإن المؤيدين للكتلة يدفعون باتجاه مشاركة شعبية أكبر تؤكد الثقة في الاتحاد الأوروبي. وكانت نسبة المشاركة انخفضت من 63 في المئة في انتخابات العام 1979، لتصل إلى 42 في المئة في انتخابات 2014، ما يشير إلى أن نسبة المشاركة تتوازى مع الثقة في الاتحاد؛ ذلك أن الرافضين لا يذهبون إلى الصناديق في الغالب.

وعلى المستوى الداخلي، تتخذ أطراف الصراعات السياسية من الانتخابات البرلمانية الأوروبية سبيلاً إلى تحقيق مصالحها وأهدافها. ففي فرنسا، دعت مارين لوبان، زعيمة حزب "التجمع الوطني" اليميني، الرئيس إيمانويل ماكرون إلى الاستقالة حال خسارته الانتخابات البرلمانية الأوروبية المُقبلة، وقالت إن "من الضروري تذكير ماكرون بما فعل الجنرال شارل ديغول، عندما قرر الاستقالة". في إشارة إلى أن تاريخ ديغول المشرف، لم يمنعه من الاستقالة تنفيذاً لوعده فيما لو رفض الشعب تطبيق المزيد من اللامركزية، وبالفعل جرى الاستفتاء حينها، ووافق الشعب الفرنسي على رغبة ديغول لكن بنسبة أقل قليلاً من النسبة التي حدَّدها، فتنحى في 28 نيسان (أبريل) 1969، ضارباً نموذجاً فريداً لم يجد ترجمة صادقة، خاصة بالعربية. لكن ماكرون لم يقدم وعوداً في هذا الشأن، وهو الذي هزم لوبان في الجولة الثانية من انتخابات العام 2017 حين فاز بنحو 65 في المئة، الأمر الذي جعل منه داعماً قوياً للاتحاد الأوروبي، حتى أنه يدعو مع ألمانيا إلى بناء جيش أوروبي بديل من "حلف الأطلسي" الذي تهيمن عليه واشنطن. وعموماً؛ فإن الانتخابات البرلمانية الأوروبية، معنية بالإجابة عن تساؤلات محددة، لعل أبرزها: هل ستلقي نتائج الانتخابات الوطنية بظلالها على تشكيلة البرلمان الأوروبي 2019؟ وهل الأمر بات مجرد استفتاء على مصير المشروع الأوروبي؟

أياً كانت الإجابات التي سيسجلها الناخبون؛ فإن تعديلات حقيقية ستطرأ على خريطة التحالفات الحزبية إذا ما ذهبت الأغلبية بعيداً عن الكتلتين الرئيستين، حزب "الشعب الأوروبي" ويجمع أحزاب المحافظين، وحزب "الاشتراكيين الأوروبيين" ويجمع الأحزاب الديموقراطية الاشتراكية الشعبية. وهذا التحالف غير الرسمي يشغل حالياً 412 مقعداً من إجمالي 751 مقعداً، ما يتيح فرصة أكبر أمام كتل برلمانية صغيرة، مثل "الليبيراليين" و"الخضر"، لتنخرط في تحالفات جديدة، ستنتج مفعولها قطعاً في سياسات الاتحاد الأوروبي، بل ومصيره أيضاً. من ناحية ثانية، نفت موسكو ما تردد عن وجود تقارير استخباراتية تشير إلى أن روسيا تستخدم تكتيكاً مختلفاً عما استخدمته في الانتخابات الأميركية عام 2016، والفرنسية 2017، بهدف التأثير في نتائج الانتخابات بما يزعزع الثقة في الكتلة الأوروبية. والواقع أن مكاسب روسيا والصين من تفكيك الاتحاد الأوروبي، يتيحها تاريخ طويل من التنافس؛ إلا أنه لا يصح تجاهل ما نال "الاتحاد" من هجوم لافت للنظر من جانب الحليف الأميركي القابع تحت لواء اليميني - الشعبوي ترامب.