في النهاية لا هدف لـ «داعش» سوى الدمار

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

26/6/2017
العرب القطرية

سيستغرق تحرير الرقعة الصغيرة المتبقّية في المدينة القديمة بالموصل بعض الوقت. فهي محاصرة، والمنافذ المتروكة مخصّصة للمدنيين الفارين من بطش عناصر تنظيم «الدولة الاسلامية داعش». كان الكفر بالدين وبأي قيم على الإطلاق، ولا اسم له غير الكفر، سوّغ لهؤلاء أن يستهينوا بحياة الناس وكرامتهم، وكان الجُبن والشرّ زيّنا لهم التجبّر والعبث بمصير مَن أسروهم واستخدموهم دروعاً بشرية يحتمون بها. من الجزء الشرقي للمدينة إلى جزئها الغربي اقتادوا البشر الخائفين، أطفالاً ونساءً وشيوخاً، المحرومين من أبسط مقوّمات العيش، إلى الأبنية المعرّضة للقصف. في النهاية لم تكن عند عسكريي هذا التنظيم أية مفاجآت أو خطط، وكل ما فعلوه بانتحارييهم وقناصتهم وسياراتهم المفخّخة كانوا يعلمون، كما يعلم كل مَن هو خارج معقلهم/ معزلهم أنه لن يفيدهم، ولن يُبقي على دولتهم المزعومة. وربما تبيّن فقط أنهم خطّطوا منذ البداية للاحتماء بالناس الذين تحمّلوا وحشيتهم وصلفهم قرابة ثلاثة أعوام.

مع كل معركة «تحرير» من «داعش» يتأكّد أكثر فأكثر أن الهدف لم يكن «خلافة» ولا «دولة» ولا شيء له علاقة بالدين، أو برفع الظلم والمهانة، بل كان هذا الدمار الذي لحق بالبشر والحجر، وبالنفوس التي أعطت للعمران امتداده الإنساني والروحي. تصرّف أتباع التنظيم أينما حلّوا بالطريقة نفسها، وكأنهم مكلّفون بهندسة هذا الدمار والتفنّن بممارسته إلى أقصى حدود الجهل والظلامية. وكلما قارب وجودهم على الانتهاء في أي موقع فإنهم لا ينسحبون إلا بعد أن يتأكدوا من تلغيم آخر بيت ومدرسة ومشفى وجامع ومتحف. ربما يعتقدون أن الدمار يديم أي «قضية» يدّعون الدفاع عنها أو يشجّع على استمرار الاستقطاب والتجنيد. صحيح أن تشخيص الحال المَرَضية الجماعية وصلت إلى تحديد الجريمة والمجرمين، إلا أنه لم يتوصّل إلى تحديد المستفيدين، رغم أن آثارهم منتشرة، وقد أراد هؤلاء أن تصبح الموصل والرمادي والفلوجة وغيرها من الحواضر مجرّد ركام.

أي موصلي، بل لعل كل عراقي وعربي، كان قبل أيام ممزّق المشاعر بين الحزن والأسى على آلاف الضحايا الذين قضوا في معركة الموصل، وبين الغضب على تفجير جامع النوري ومنارة الحدباء، وفقد هذين المعلمين التاريخيين اللذين عمّرا تسعمائة عام، وعاصرا أعتى الطغاة والسفاحين، لتكون نهايتهما على أيدي «الدواعش»، وقبلهما أجهز هؤلاء على آثار تنتمي إلى الحضارات الإنسانية التي اغتنى العراق باحتضانها. فقد أراد التنظيم بإزالته هذه المعالم أن يمنع تحوّلها رمزاً لهزيمته، وعنواناً لانتصار القوات العراقية التي توشك أن تطرده نهائياً من معقله الرئيسي. 

قبل شهر كانت تقديرات متحفّظة للأمم المتحدة تتحدّث عن ثمانية آلاف مدني قتلوا أو أصيبوا خلال معركة الموصل. هذا الرقم لا يشمل مَن لم يُسجَّلوا في منشآت طبية، وهو مرشّح للتضاعف في المرحلة الأخيرة للمعركة، لأن «الدواعش» الذين لم يغادروا هم الذين صمّموا على الانتحار، لكن بعد أن يتسببوا بأكبر أذى، سواء بمهاجميهم أو بأسراهم من المدنيين. وفي المقابل أدّى الاستعصاء «الداعشي» وضرورة التخلص منه إلى اعتماد ما بات يسمّى «استراتيجية الإفناء» إزاء «إدارة التوحّش»، ولعلها من المرات النادرة التي يرتضي فيها العالم مع الإبادة كحلّ لا بدّ منه، لإزالة الورم السرطاني ووقف تمدّده.;

تعليقات