في الهدر والتراكم

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

20/11/2014
السورية نت
المؤلف: 

قرأت قبل سنوات مقالاً يتحدث فيه صاحبه عن الثروات التي تم نقلها أو "نهبها" من أمريكا المكتَشفة حديثاً إلى أوروبا، وبشكل خاص إلى إسبانيا والبرتغال وبريطانيا، ثم إلى بقية الدولة الأوروبية. ومما أثار انتباهي هو حديث الكاتب، الذي نسيت اسمه والمطبوعة التي نشر فيها مقاله، عن إدارة الثروات المنهوبة، وخاصة الذهب منها، فيقول: إن إسبانيا كانت ماهرة جداً في تبذير هذه الثروة الخيالية على المتع اليومية والبذخ الشخصي للقراصنة ورجال البلاط وأصحاب النفوذ، وقد خلا إنفاقهم من أي بعد استراتيجي، إلا إذا اعتبرنا المؤامرات، ضد بعضهم بعضاً والإنفاق عليها، هو نوع من الاستثمار الاستراتيجي.

بينما تم توظيفه، أو توظيف القسم الأكبر منه، في بقية أوروبا، وخاصة بريطانيا في الاستثمارات التي كانت المقدمات الحقيقية للثورة الصناعية، وقد تكون أخلاق العمل البروتستانتية كقيم الموثوقية، والادخار، والتواضع، والصدق، والمثابرة والتسامح، أحد أسباب نشأة هذه الثورة في بريطانيا وليس في إسبانيا الكاثوليكية. وهكذا وبعد نضوب الثروة الوافدة من وراء البحار أصبحت بريطانيا سيدة العالم وإسبانيا من أفقر دول أوروبا.

الهدف من هذه المقدمة الطويلة هو الوصول إلى وضعنا الحالي في الثورة السورية وممارسات مؤسساتها، فقد كانت الثورة السورية أرضاً بكراً فيها كل أنواع الثروات، كأمريكا عند اكتشافها، وخاصة العنصر البشري، فقد برهن السوري أنه قادر على تقديم كل أنواع التضحيات، وصولاً لتقديم روحه، في سبيل انتزاع حريته المصادرة منذ أكثر من أربعين عاماً، واستعادة كرامته المهدورة من قبل نظام متوحش بربري، فاستعاد بسرعة روح التضامن وقيم الموثوقية والتواضع والصدق والتسامح والتضحية، وهي قيم المجتمع السوري بكل طوائفه، التي عمل نظام الأسدين طويلاً على تدميرها، ومحاولة تفريغ المجتمع منها، لمعرفته أنها الرافعة الحقيقة للثورة ضده عندما يحين موعد قيامها.

إذن كانت الثروة البشرية السورية في شوارع الثورة على مدار عامل كامل، وكان لا بد من مستثمر يجمع هذه الثروة ويعيد صرفها بالطريقة التي تناسبه، ولما كانت تهديداً خطيراً لنظام الأسد فقد جرى حصدها بالسلاح والسجون وبث الفرقة بين مكوناتها وتهجير من لم يستطع الوصول إليهم من ألمع النساء والرجال فيها، فتساهل في فتح الحدود، وأعطى أوامره لرجاله بغض الطرف عن بعض "الحكوجية" في صفوف الثورة، والسماح لهم بمغادرة البلد "للبعبة" في الخارج، وكان ما كان والجميع يعرف بقية القصة.

كان الأمل أن يكون استثمار الثورة ودماء السوريين من قبل المعارضة التي تشكلت في الخارج موازياً لحجم التضحيات في الداخل، أو على الأقل موازياً لبربرية النظام الأسدي، إلا أن عوامل الفرقة التي أسسها نظام الأسد، وكان الثوار قد استطاعوا تجاوزها، عادت بسرعة للظهور في صفوف المعارضين منذ لحظات الإعداد الأولى للمؤتمرات، حيث غابت الروح السورية الجامعة والايثار وحل محلها التنافس الذي أخد أشكالاً متعددة ولكن، في مجملها، دون وطنية، منها الشكل الطائفي والمناطقي والقومي والحزبي، وبدأت صورة سورية الثائرة تغيب، شيئاً فشيئاً، عن ساحة الفعل اليومي لهؤلاء المعارضين، وهكذا تبخر تراكم "الغنى" والثروة الذي كانت الثورة قد حققته بدماء أبنائها، وكانت الفضيحة الأولى، التي كان السوريون، مع ذلك، يأملون أن يتم تجاوزها مع استمرار العمل لإسقاط النظام القاتل.

كانت تجربة "المجلس الوطني السوري" فاتحة الإخفاقات الكبرى، في العمل الجماعي المعارض، فقد تمحورت الصراعات والمؤتمرات على موقع الرئيس ومن سيشغله، وكأن هذا الموقع هو الثورة بحد ذاتها، من يترأسه سيجيّر الثورة لصالحه، وتسابق "القادة" على الوقوف إلى جانب الرئيس، في الصور الرسمية، كل منهم يأمل أن يكون دوره على كرسي الرئاسة التالي بعد خلع الرئيس الحالي. وبعد مرور عدة رؤساء على الكرسي، اكتشف الجميع أن رصيدهم من الثروة السورية في طريقه للنفاد، فالمواطن السوري لم يعد يسمح لهم باستخدام دمه كرصيد يعتاشون منه وعليه، ولم يجدوا بداً من قبول "الهبات" الخارجية، التي بدأت تتحكم بمصيرهم ومصير الثورة، وحان الوقت، بعد أن أعلن الداعمون عجز المجلس، عن الإعلان الرسمي لموته والمباركة بالمولود الجديد "الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة" الذي سار على الدرب نفسه، وأظن أنه سيلقى المصير نفسه لأننا لم نتعلم من الدروس السابقة.

عودة إلى ما جاء في مقدمة المقال عن أهمية الثروات وتراكمها لتحقيق التقدم المنشود، أو عن أهمية التراكم المعرفي الذي يتيح للأبناء الاستفادة من معارف من سبقهم، أسجل واقعة رواها لي الصديق محمد عنتابلي في لندن، قال: بناء على رغبة أصدقاء في الاتئلاف الوطني بلقاء مسؤولين في الحكومة البريطانية، قمت مع آخرين بتأمين موعد لهم مع وزير التربية البريطاني، وقد رافقتهم في تلك الزيارة، كان بجانب الوزير سكرتيرتان تسجلان ما يقوله الوفد السوري المعارض ووزيرهم ومن معه، بينما لم يكن مع الوفد السوري أي ورقة، ولم يسجل أحد منهم أية معلومة قالها الوزير البريطاني وتساءلت بيني وبين نفسي: ماذا لو حدث لقاء آخر بين الوفدين، كيف سيعرف الوفد السوري، الذي ربما قد يكون تغير أفراده أو بعضهم، أين وصلت المفاوضات بين الوفدين، هل سيبدأ الوفد السوري من الصفر، وماذا سيكون عليه موقف الوفد البريطاني عندما يرى السلوك السوري؟

أخيراً، هذه القصة ذكرتني بقصص أخرى جرت مع تغيير رؤساء الائتلاف وطاقم كل منهم، فقد كان كل واحد تنتهي خدمته لسبب أو آخر يضع، قبل أن يترك مكتبه، تحت إبطه سجلات الائتلاف وكأنها ملك شخصي مطوب باسمه، حارماً بذلك من سيعقبه من إمكانية متابعة الملفات التي تم العمل عليها، وكلفت جهود عشرات الأشخاص وربما ملايين الدولارات، كما أنه بهذا السلوك يحرم الشعب السوري مستقبلاً من إمكانية تقويم كل مرحلة من مراحل عمل المعارضة، التي هي من المفروض أنها تعمل عند الشعب السوري وليس عند رئيس الائتلاف.

وهكذا كان كل رئيس جديد يبدأ من الصفر وينتهي إلى الصفر عند خروجه، حارماً الشعب السوري وثورته من ثروة التراكم، التي هي رصيد الأمم الناجحة.