في حرب سورية: لا لمنتصرين، لكن يمكن أن يكون لها نهاية

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

8/5/2015
Reuters
المؤلف: 

(ترجمة السورية نت)

مهما كان ما يظنه نظام الأسد وخصومه، فلا أحد يتجه نحو تحقيق انتصار عسكري في سورية. إن الحرب في مسارها الحالي ستسوء أكثر، مع خسائر القتلى المدمرة بالفعل والتي صاحبها التطرف العابر للحدود وكذلك المزيد من دمار النسيج الاجتماعي والحضري للبلاد.

إن مثل هذه المآسي المستمرة للسوريين سيتبعها ارتفاع في التكاليف بالنسبة لحاملي أسهم الصراع الخارجيين الأساسيين – إيران وروسيا في معسكر النظام، والولايات المتحدة وتركيا والمملكة العربية السعودية وقطر في صف المعارضة. لقد آن الأوان للدول الداعمة لكل طرف لتدرك أن منافسيهم لا يتجهون نحو الاستسلام، وأن يبدؤوا بالمهمة الصعبة لإيجاد حل سياسي نهائي لإنهاء الحرب.

إن المكاسب الأخيرة التي حققها الثوار في الشمال والجنوب لا تنذر بالنصر في الحرب كلها. يحتفظ النظام وحلفاؤه بسيطرة تامة على المنطقة الأساسية استراتيجياً من دمشق إلى الساحل، وهي شريط من غرب سورية قاموا فيه بالقضاء وكبت أو احتواء معظم القدرة العسكرية للثوار. سيتطلب الأمر انهيار النظام من الداخل كي يتمكن الزخم الأخير للثوار من بلوغ هذه المناطق. إن ذلك لا يزال غير مرجح، وحتى إن حدث، فإن بقايا النظام وميليشياته الحليفة ستستمر على الأرجح في القتال.

في الوقت ذاته، فإن قوات النظام مفرطة التمدد بشكل واضح، وإن أعداد مجنديهم المحتملين قليلة بسبب ارتفاع أعداد الخسائر التي يعانون منها. إن المقاتلين الأجانب الذين تستقدمهم أو تسهل قدومهم إيران و"حزب الله" اللبناني يشاركون باحتمال العبء الناتج، ولكنه لا يبدو أنهم راغبون أو قادرون على تقديم قوة كافية لمنع حدوث الخسائر المستمرة على أطراف المناطق التي يسيطر عليها النظام.

الأطراف السورية في الصراع شديدة العناد ومستثمرة في الوضع الحالي، ولن تقبل بتغيير مسارها نحو حل سياسي. في حين أن رعاتهم في وضع أفضل للتحول، ولمشاركة المصالح الاستراتيجية لإنهاء الحرب التي لا تغذي فقط جهادي "الدولة الإسلامية"، ولكن التطرف الأوسع على طرفي الانقسامات الطائفية والسياسية التي تزداد سوءاً في المنطقة. على هذه الدول الداعمة تنحية تفكيرها المتفائل وتحديد أيٍ من مطالبها الأساسية ستتمكن من تحقيقها بشكل واقعي.

في النهاية، حسبما نأمل، ولديناميكية أخلاقية يمكن أن تقود إلى مفاوضات نهائية حول حل سياسي ثابت بإمكانهم ضمانه. وهذا سيتطلب وضوحاً استراتيجياً وتنازلات متبادلة.

إن الطريقة الأفضل لتتمكن الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا من حل معضلة سورية هي عبر تحديد استراتيجية جدية، بالتعاون مع تركيا والمملكة العربية السعودية وقطر، لتقوية المعارضة المعتدلة ودفعها باتجاه رؤية سياسية.

عبر الجمع بين النفوذ والتعاون المحسن بشكل كبير، على داعمي المعارضة الغربيين والمحليين الضغط على الثوار السوريين بشكل تدريجي للاختيار بين الدعم الخارجي الكبير ودور في مستقبل بلادهم السياسي المتعدد في جهة، وبين التعاون المستمر مع أية جماعة للجهاد الدولي في جهة أخرى. ويجب أن يقدموا حوافز لدور سياسي عملي واحتراماً للمجتمع المحلي المدني، مع معاقبة التكتيكات العشوائية، والتصرف الإجرامي والخطاب الطائفي.

على الحكومات الغربية أن تدرك أيضاً أن صراع المعارضة المعتدلة ضد الجهاديين وضد النظام متصل بشكل لا ينفصم. ولكي يكسبوا القوة على حساب الجهاديين، على الثوار المعتدلين أن يثبتوا أنفسهم كلاعبين أساسيين في الحرب ضد النظام. كما يجب أن يمكنهم الدعم الخارجي من القيام بذلك.

إظهار مثل ذلك الحزم يجب أن يشير لإيران وروسيا أن فرص حصولهم على عوائد استثماراتهم في استراتيجية النظام العسكرية ستتناقص أكثر. ولتقلل واشنطن من مخاطر التحريض على تصعيد مضاد أو رفع آمال المعارضة بتحقيق نصر عسكري تام، عليها أن تشير بوضوح لرغبتها بالتفاوض لإيجاد حل ينهي حكم بشار الأسد ولكن يجب أن يتضمن: حفظ وإصلاح المنشآت الحكومية، وضمانات أمنية قوية لكل المجتمعات، واتفاقات أمنية لا مركزية تعطي للمحليين القدرة على لعب دور أساسي لتأمين حمايتهم الخاصة، وتحديد المسؤوليات عبر أحكام دستورية تعرف الدولة السورية المتعددة الجديدة. ونظراً لنفوذ إيران على الأرض، فإنها ستشمل في مثل هذه المفاوضات.

من جهتها سيكون على طهران القبول بما هو أقل مما كان لديها – نفوذ لا يماثلها به أحد على الدولة السورية ضمن "محورها للمقاومة" – والتفاوض لتأمين ما تتطلبه أجندة سياستها الخارجية: منفذ إلى "حزب الله" في لبنان ودولة سورية غير متحالفة بشكل حصري مع منافسي إيران الإقليميين.

وبشكل مشابه، فإن داعمي المعارضة الإقليميين الأساسيين – المملكة العربية السعودية، وتركيا وقطر – بإمكانهم الحصول على هدفهم الأساسي المشترك في سورية عبر تقديم تنازلات على أولويات أقل أهمية يفتقدون القدرة على تحقيقها. من المرجح أن ينتصروا بانتقال يتضمن رحيل الأسد عبر الموافقة على دعم اتفاقات الأمن غير المركزية والقبول بسورية غير منحازة ومستقلة عن كل من السعودية وتركيا أو المحور السني الأوسع.

يعد نفوذ تركيا القوي على المعارضة أساسياً لتغيير التوازن لدى الثوار، وفي النهاية ضمان حل سياسي. يجب أن تؤخذ مصالحها الأساسية في الحسبان: دولة سورية قادرة ومستعدة على المساعدة لاحتواء الجماعات المسلحة التي تنشط حالياً في تركيا ولحماية الحدود، عودة اللاجئين السوريين الذين تستضيفهم والذين يقارب عددهم المليونين، وثبات المناطق الشمالية ذات الأغلبية الكردية في سورية التعددية.

بالنسبة لروسيا، فإن المساهمة في دعم حل حقيقي في سورية سيحسن موقفها الدولي، وسيعالج الخطر الجهادي بشكل أفضل، وسيزيد من تأثيرها على شروط الاتفاق النهائي، وإنهاء الصورة بأنها تلعب دور ثانوي في استراتيجية إيرانية مسدودة الأفق، وحفظ أجزاء الدولة السورية التي استثمرت موسكو فيها، وأهمها القوات المسلحة.

وبإمكان الحكومات الأوروبية إخماد التهديد المزدوج للجهاد الذي ينمو داخل بلدانها والهجرة اليائسة عبر تطبيق إحدى وسائل السياسات الخارجية التي لا تثير الانقسامات وهي: المساعدة الإنسانية. يتطلب هذا أولاً المزيد من المال والتنسيق الأفضل للبرامج التي تخدم 12,2 مليون شخص والذين هم في حاجة للمساعدة داخل سورية، وحوالي الأربعة ملايين سوري الذين لجأوا إلى البلدان المجاورة.

تتضمن الأولويات الضغط على دمشق لتسمح لوصول المساعدات الإنسانية إلى المناطق المحاصرة وإزالة العقبات الإدارية التي تعيق إيصالها إلى مناطق أخرى، ونهج مبتكر للتعامل مع أزمة التعليم الهائلة، مع أكثر من مليوني طفل سوري خارج المدارس، وكذلك التمويل المتزايد لمعالجة نواقص برامج الأمم المتحدة لدعم اللاجئين، وزيادة مساعدات التنمية للدول المجاورة التي تحمل عبء أزمة اللاجئين.

ما أن تصبح الخطوط العريضة واضحة، وما أن تركز كل الأطراف على الأهداف الحقيقية، فإن المهمة الصعبة لبناء الأمن وإطار العمل الدستوري تصبح بالإمكان البدء بها من أجل سورية الجديدة.

تعليقات