في خسارة إسطنبول وما بعدها

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

القدس العربي
المؤلف: 

بحساب بارد وبسيط، خسر حزب العدالة والتنمية الحاكم رئاسة بلدية إسطنبول، محتفظاً بالغالبية في مجلس البلدية، وكذا برئاسات ومجالس كثير من البلديات الفرعية فيها. وعلى رغم أجواء «المعركة المصيرية» التي سادت انتخابات إسطنبول، ما زال «العدالة والتنمية» يحتفظ برئاسة الجمهورية بصلاحياتها الموسعة والحكومة والغالبية البرلمانية، إضافة إلى عدد كبير من بلديات المدن التركية، وأمامه فترة تزيد عن أربع سنوات قبل حلول موعد الانتخابات العامة والرئاسية المقبلة، خريف العام 2023. أضف إلى ذلك أن المؤسسة العسكرية باتت تحت سلطة الرئيس، فاقدةً دورها القديم في الوصاية على الحياة السياسية. ويسيطر الحزب الحاكم على تسعين في المئة من وسائل الإعلام، إضافة إلى المؤسسة القضائية التي فقدت استقلاليتها، إلى حد كبير، إزاء السلطة التنفيذية. فما الذي جعل نتيجة انتخابات رئاسة بلدية إسطنبول المعادة كما لو كانت هزيمة كبيرة للحزب الحاكم، في نظره بالذات ونظر خصومه المعارضين معاً؟

الواقع أنها هزيمة معنوية أكثر من كونها هزيمة حقيقية، ومؤشراً على خط منحدر يمضي فيه الحزب وينذر بمزيد من الانحدار في شعبيته وسلطته. ولعل أخطر ما في نتائج الانتخابات الأخيرة هو تصويت قسم من القاعدة الانتخابية التقليدية للحزب الحاكم لصالح مرشح المعارضة أكرم إمام أوغلو، وقد كان هذا واضحاً في نتائج بعض «قلاع» الحزب الحاكم في إسطنبول كمناطق «فاتح» و«أيوب سلطان» وأوسكودار» وإن كان من الصعب تقدير حجم هذا «الانشقاق» لدى ناخبي الحزب. كذلك حافظ حزب الشعوب الديموقراطي، ممثل الكرد، على استراتيجيته المتمثلة في دعم مرشح المعارضة، على رغم إقحام السلطة عبد الله أوجالان في المشهد، رغبةً منها في التأثير على تصويت ناخبي الحزب الكردي، أو على الأقل ناخبي الكرد المحافظين في إسطنبول. بل إن هذا الإقحام لزعيم «العمال الكردستاني» السجين قد أعطى نتائج سلبية، فخسر مرشح الحزب الحاكم دعم ناخبي حزب الحركة القومية الذين لا يتسامحون مع شيء كالاستعانة بأوجالان، فضلاً عن عدم رضى قسم كبير منهم عن تحالف حزبهم مع «العدالة والتنمية» حتى قبل الاستعانة المذكورة.

«للمرة الأولى نحصل على أصوات من خارج قاعدتنا الانتخابية التقليدية» يقول كمال كلجدار أوغلو، رئيس حزب الشعب الجمهوري الذي فاز مرشحه في الانتخابات. «استطعنا التواصل مع مختلف البيئات الاجتماعية» يتابع مفسراً هذا الفوز بفارق لم يتوقعه بهذا الحجم «فالتقينا وجهاً لوجه مع البيئات المحافظة والكردية وغيرها من البيئات الاجتماعية على امتداد البلاد».

هل يمكن تحويل هذه المروحة الواسعة التي منحت مرشح الحزب نسبة من أصوات الناخبين تفوق النسبة المعتادة التي يحصل عليها الحزب، عادةً، بأكثر من مرتين، إلى تحالف واسع مستدام من شأنه تغيير معادلات القوة الاجتماعية لغير صالح الوضع القائم؟ يبدو هذا صعباً، بالنظر للشروط القائمة اليوم. فلا يمكن، مثلاً، توقع تحالف سياسي يضم كلاً من الحزب الكردي والحزب الخيّر ذي الإيديولوجية القومية التركية المتشددة، أو تحالفاً يضم الحزب العلماني مع حزب السعادة الإسلامي.

غير أن التحليلات القائمة على لحظة سكونية محكوم عليها بالفشل، في بلد مثل تركيا يتمتع بديناميات اجتماعية عالية، وبخاصة أن الوضع العام يتصف بكثير من الهشاشة والبعد عن الاستقرار، سواء بالنظر إلى الصعوبات الاقتصادية المرشحة للتفاقم، أو التحديات الخارجية الداهمة كالعلاقات مع الولايات المتحدة وروسيا وأوروبا وإيران، والمشكلة السورية بأبعادها وتعقيداتها.

بات من المعروف، مثلاً، أن كيانات سياسية جديدة هي قيد التشكل الآن، سيكون لظهورها المرتقب آثار سلبية على الحزب الحاكم. ونعني بها انشقاقات من «العدالة والتنمية» يستعد لها الوزير السابق علي باباجان، من جهة، ورئيس الوزراء السابق أحمد داوود أوغلو من جهة ثانية. ستشكل خسارة انتخابات إسطنبول حافزاً لانشقاق قسم من نواب الحزب الحاكم وانضمامهم إلى أحد الكيانين المشار إليهما، فيفقد غالبيته المطلقة في البرلمان.

هل يؤدي ذلك إلى انتخابات عامة مبكرة؟ قال كلجدار أوغلو إن حزبه لن يطالب بانتخابات مبكرة، في حين قال دولت بهجلي المعروف بدعوات سابقة مفاجئة إلى انتخابات مبكرة، إن مطالبة من هذا النوع أمر غير مقبول. على أي حال، لا يمكن لانتخابات مبكرة أن تغيّر الحكم، بالنظر إلى أن النظام الرئاسي الجديد لا يكترث بتغيير خارطة التمثيل السياسي في البرلمان، فالرئيس غير معني بتشكيل حكومته بناء على غالبية برلمانية، ولا يمكن للبرلمان أن يسحب الثقة منها. لذلك أصبح التغيير في السلطة مشروطاً بالانتخابات الرئاسية حصراً، وما زال هناك أكثر من أربع سنوات على موعدها القادم.

لكن الحزب، وبالأخص أردوغان، ليس من النوع الذي يركن للاسترخاء في السنوات الأربع القادمة، بل من المتوقع أن يبدأ العمل من الآن على تغيير وجهة الانحدار الذي كشفت عنه انتخابات 23 حزيران/يونيو بصورة صاخبة. يتوقع الرأي العام أن تكون المحاسبة الداخلية قد بدأت فعلاً في أروقة الحزب الحاكم، بالنظر إلى تراشق الاتهامات، في الإعلام الموالي، بالمسؤولية عن الخسارة التي حدثت. وإلى جانب حملة تطهير وإعادة هيكلة متوقعة داخل الحزب، تتحدث تسريبات عن تعديل جزئي في الحكومة ربما يشمل وزير الداخلية سليمان سويلو ووزير المالية برات ألبيرق. كما سبق للرئيس أردوغان أن طرح مشروعاً لإصلاح المؤسسة القضائية، قبل فترة من الانتخابات، تحت ضغط الصعوبات الاقتصادية، سنرى كيف سيتم تطبيقه. كذلك أقر البرلمان، ثم الرئيس، قانون التجنيد الجديد الذي يقلص حجم القوات المسلحة ويحولها إلى جيش شبه محترف. أما عودة التواصل مع عبد الله أوجالان، فلا نعرف بعد أبعاده السياسية التي قد تتجاوز مجرد الحاجة إلى تدخله في مسار انتخابات بلدية إسطنبول. هل ستكون هناك إعادة إطلاق مسار الحل السلمي؟ ننتظر ونرى.

قوى المعارضة بدورها ستجد نفسها أمام استحقاق التغيير. فإضافة إلى التعاون الذي حصل، بمناسبة انتخابات إسطنبول، بين عدد من أحزاب المعارضة، من المتوقع أن تحصل تفاعلات متنوعة بين هذه الأحزاب والكيانات السياسية الجديدة المتوقع ظهورها قريباً. وربما نشهد تغييرات في برامج تلك الأحزاب وخطاباتها بما يناسب طموحاتها للمرحلة القادمة.