في مقتل البغدادي .. واستثماراته

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

العربي الجديد
المؤلف: 

ليس غريباً، أو مفاجئاً، أن تقتل قوات خاصة أميركية زعيم تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، أبا بكر البغدادي، بعد مطاردة استمرت خمس سنوات، كونه المطلوب الأول لدى إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب. وسبق للولايات المتحدة أن قتلت، عبر عمليات عسكرية مشابهة، أبا مصعب الزرقاوي في 7 يونيو/ حزيران 2006، وأسامة بن لادن في مايو/ أيار 2011. ثم أعلن الرئيس ترامب في 14 سبتمبر/ أيلول 2019 عن مقتل حمزة بن لادن من دون أن يحدد تاريخ قتله، لكن مقتل زعيم تنظيم داعش الإرهابي يطرح أسئلة عديدة، بشأن توقيته، وتوظيفاته، واستثماراته، وإرهاصات مقتله على المكان الذي قتل فيه، وسوى ذلك. 

ويبدو أن التوقيت جاء فيما يواجه الرئيس الأميركي أزمات وتحديات كثيرة، حيث يقود الديمقراطيون في مجلس النواب الأميركي معركة باتجاه عزله، وواجه قراره سحب القوات الأميركية من سورية انتقادات حادة من مختلف أركان الإدارة الأميركية، ولذلك أراد ترامب من هذه العملية النوعية تأكيد أن الانسحاب من سورية لا يعني التوقف عن محاربة "داعش"، وفق مقاربة جديدة، يتم فيها الاستثمار النفعي المتعدّد، ينهض على جني المقابل المادي نظير إبقاء عدد رمزي من الجنود الأميركيين لحماية حقول النفط، حيث كشف ترامب عن عزمه على عقد صفقة مع شركة إكسون موبيل، أو مع إحدى أكبر الشركات الأميركية، "للذهاب إلى هناك، "والقيام بذلك بشكل صحيح.. وتوزيع الثروة".
ويريد الرئيس ترامب من هذه العملية أن تشكّل نصراً له، أو بالأحرى منجزاً رمزياً يضاف إلى رصيده، كي يستثمر فيه داخلياً لمواجهة خصومه وأزماته، وخصوصا أنه يستعد للدفاع عن ترشحه للانتخابات الرئاسية الأميركية المقبلة، وقد سبق لسلفه باراك أوباما أن استثمر في عملية قتل بن لادن التي أضافت إلى رصيده نقاطاً عديدة، وساعدته في تجديد انتخابه لولاية ثانية في انتخابات عام 2012.
وليس خافياً أن قرار القيام بالعملية أعطاه الرئيس ترامب، بعد إبرام اتفاق أنقرة بشأن المنطقة الآمنة في شمال شرقي سورية، في 17 أكتوبر/ تشرين الأول الحالي، ما بين الساسة الأتراك والأميركيين، بالتفاهم مع الساسة الروس، والذي أعقبه اتفاق سوتشي في 22 من الشهر نفسه، ما بين الساسة الأتراك والروس بشأن ترتيب الأوضاع في المنطقة، ونال مباركة الإدارة الأميركية. وقد اقتضت العملية النوعية الأميركية التعاون والتنسيق مع مختلف القوى المسيطرة على الشمال السوري، ولكن اللافت أنه فور الإعلان عن مقتل البغدادي، سارعت أطراف عديدة للاستثمار فيه، ونيل "شرف" المساهمة فيه، وفي مقدمتهم الحكومة المركزية في بغداد التي أعلنت أنها زوّدت الاستخبارات الأميركية بمعلومات عن تحرّكات البغدادي، وساعدتها في الوصول إليه، وكذلك فعلت مليشيات قوات سورية الديمقراطية، فيما شكر الرئيس ترامب كلا من تركيا وروسيا والنظام السوري على مساعدتهم في القيام بالعملية. وعلى الرغم من أنه أثنى على دور روسيا لمساعدتها ومساهمتها في العملية، إلا أن وزارة الدفاع الروسية نفت تقديم أي مساعدة للأميركيين، بل ونفت علمها بها، وشكّكت في العملية، معتبرة أن الإعلان عن مقتل البغدادي "ليست له أي أهمية عملية على الوضع في سورية، أو على تصرفات الإرهابيين الباقين في إدلب". وليس هذا الموقف الروسي مستغربا، لاعتبارات عديدة، كون الساسة الروس لا يريدون الإقرار بنجاح عملية مهمة من هذا النوع في منطقةٍ تقع تحت سيطرتهم الجوية، حيث لا تغيب عن سمائها، منذ سنوات، طائرات استطلاعهم ومقاتلاتهم. كما أنهم يريدون الإبقاء على البغدادي حياً، كي يستثمروا فيه لتبرير اعتداءاتهم على مناطق إدلب، ولذلك قالوا إن الإعلان عن مقتل البغدادي ليست له أهمية تذكر على الوضع في سورية، ولا على وجود باقي الإرهابيين في محافظة إدلب، كونهم يوظفون وجود بعض الإرهابيين هناك من أجل تبرير هجماتهم وهجمات مليشيات نظام الأسد المستمرة عليها. وبالتالي، بعد قتل البغدادي، ستستثمر آلتهم الإعلامية في مقتله، كونه جرى على أطراف قرية باريشا التابعة لمحافظة إدلب، كي يشيطنوا المحافظة، ويصوّروها ملاذا آمنا للإرهابيين، بغية إعادة السيطرة عليها كاملة، وعلى ما حولها من مناطق تخضع لسيطرة المعارضة السورية، ولا يعني شيئاً، بالنسبة إليهم، وجود أكثر من ثلاثة ملايين مدني فيها.
وإذا كانت العملية الأميركية قد أنهت مسيرة إبراهيم عواد البدري، الملقب بأبي بكر البغدادي، التي بدأت بعد الغزو الأميركي للعراق عام 2003، وتوّجت بإعلان "دولة الخلافة" في 29 يونيو/ حزيران من عام 2014، فإن مقتله يمثل ضربة قوية للتنظيم الذي أسسه، وإن كانت لا تعني نهاية حتمية له، فالتنظيمات المتطرّفة لا تموت بموت قادتها، بل بإزالة أسباب نشأتها. ومعروفٌ أن "داعش" ساهمت في نشأته عوامل عديدة، واستثمرت فيه استخبارات دولية وإقليمية، لذلك ليس الطريق إلى الخلاص من التنظيمات المتطرفة عسكرياً أو أميناً فقط، بل سياسي واجتماعي، ويتجسّد في إيجاد حل عادل وشامل لأوضاع دول المنطقة، وخصوصا الوضع الكارثي في سورية.