في نقد سياسات الدول الحليفة ومستقبل القرار الوطني السوري 2-3

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

2/20/2016
السورية نت
المؤلف: 

سياسة الحلفاء في مواجهة محور الأسد-إيران-روسيا

مع مجيء القيادة السعودية الجديدة بداية 2015م، تبنت الدول الثلاث موقفًا واضحًا يقول: على الأسد الرحيل، إما عبر عملية سياسية أو في سياق عمل عسكري. هذا الإعلان الذي يُعتبر في حقيقته تحدي للإعلان الدولي القائل إنه  لا حل عسكري للأزمة في سوريا. ولكن عادل الجبير، وزير الخارجية السعودي، كرر هذا الموقف في كل محفل ومناسبة، مما يؤكد توجهات المملكة وأهدافها في هذا السياق. وأكد هذا الموقف تصريحات رئيس الوزراء ووزير الخارجية القطري خالد العطية السابق (الدول الثلاث مستعدة لعمل عسكري كامل في هدف إنهاء مأساة الشعب السوري)، وتصريحات رئيس الوزراء التركي أحمد دواود أوغلو (آخرها خلال زيارة إلى أوربا، أن السعودية وتركيا ودولة ثالثة سيقومون قريبًا بعمل عسكري واسع في شمال سوريا وتحدثت التسريبات أن الدولة الثالثة هي الباكستان.

حاولت الدول الثلاث أن تدرس خطواتها بحذر وتعلن في كل خطوة عن موقفها ونواياها، مع قناعتنا أنّ الدول هذه كانت تنحوا هذا المنحى مع إدراكها لمخاطر هذا التدخل وما يحمله من عواقب (خاصة أن السعودية دخلت حربًا في اليمن لم تجني ثمارها بعد، وتركيا التي تشهد أحداثًا داخلية-عمليات انتحارية وصدامات في مدن الجنوب الشرقي ذات الغالبية الكردية-وفوضى كاملة على حدودها الجنوبية تهدد أمنها واستقرارها). وتقديراتنا أن الدول الحليفة لم تكن تتوقع الخطوة الروسية المفاجئة وتدخلها المتزايد في سوريا. حيث سيطر الحديث عن السيناريو الأفغاني الذي عاشه الاتحاد السوفيتي هناك على الوسائل الإعلامية (حتى الرئيس الأمريكي لم يجد مانعًا من ذكره في إحدى مقابلاته التلفزيونية)، عندما كان يتم الحديث عن احتمال تدخل روسي. والمؤكد أن روسيا لن تكرر تلك المأساة. ولكن لم يُقدّر غالبية المراقبين والمحللين أنه لا أفغانستان روسي في سوريا من دون قرار أمريكي، أو من دون جرأة وعزم كبيرين من الدول الحليفة، في السعي لتزويد الثوار بسلاح مضاد للطائرات أو التدخل العسكري المباشر، في سبيل حفظ وحماية المصالح القومية لهذه الدول أولًا، وإنهاء مأساة الشعب السوري ثانيًا.

على أرض الواقع، لم تُقدّر الدول الحليفة حجم القدرة والإرادة والتصميم عند بوتين على حماية مصالح روسيا في سوريا. وشكلت تصريحاتهم المتكررة عن إمكانية عمل عسكري لإنهاء مأساة الشعب السوري، من دون أن يشعروا، إخطارًا مستمرًا لمحور الأسد عن خطوات يتخذونها. ولكن كانت القيادة الروسية تقيس تلك التصريحات بشكل ممتاز، وتدخلت في الوقت المناسب، وأفشلت كل ما كان يُخطَط له، وقلبت الموازين لصالح نظام الأسد. واكتملت الخطة الروسية بجر تركيا (عبر استفزازها بانتهاك حدودها بشكل مستمر) إلى إسقاط طائرة حربية روسية بتاريخ 24\تشرين الثاني\2015م، الأمر الذي أعطى موسكو كل الحجج التالية لزيادة التدخل العسكري في سوريا، وعقد اتفاقية مع نظام الأسد، أشبه بعقد بيع عقاري لسوريا لصالح روسيا.

وخلال أشهر من التدخل الروسي، نستطيع القول إن ميزان القوة أصبح لصالح محور النظام، حيث حصل تقدم عسكري كبير له في الشمال وخصوصًا في ريف حلب وريف اللاذقية. كما حصل تنسيق روسي-أردني على تحييد الجبهة الجنوبية في درعا والحفاظ على الوضع القائم، حسب تصريح الملك الأردني بمقابلة مع الـ cnn بتاريخ 14\كانون الثاني\2016م. ولكن حصل أن خرقت روسيا هذا الاتفاق وشنت هجومًا كبيرًا باتجاه مطار 82 ومدينة الشيخ مسكين وسيطرت عليهما، ثم تقدمت نحو عتمان وسيطرت عليها أيضًا. مما يهدد بموجة نزوح كبيرة باتجاه الأردن من جديد. الأمر الذي كانت تخشاه عَمّان.

رغم ذلك، يستمر وزير الخارجية السعودي بتكرار نفس المبدأ، وهو أن الأسد لا مستقبل له في سوريا وعليه الرحيل. وأن على إيران أن توقف تدخلاتها في الدول العربية حتى يتم تطبيع العلاقات معها.

ولكن يمكننا القول أنّه لا معنى لهذا الكلام، طالما أن النظام ومحوره يحققون تقدمًا بشكل مستمر ويغيّرون الواقع الميداني الذي يُعتبر أساس العملية السياسية. إلاّ إن كانت الدول الحليفة تعمل على "شيء" في صالح أمنها القومي ضد الخطر الإيراني الروسي وفي صالح الثوار السوريين، وقد استفادت من تجربتها السابقة. فهي اليوم تمارس سياسة الحد الأدنى من التصريحات، لتفاجئ الخصوم. مع التأكيد على صعوبة هذا الاحتمال ضمن المعطيات الواقعية للمشهد الإقليمي والدولي. ولكن منطق المصلحة السياسية يقول: أن حصول حزام كردي على كامل الحدود الجنوبية التركية، متصل حتى شواطئ المتوسط، تحكمه قوات مناوئة أساسًا للسياسة التركية ومدعومة من أعدائها، هو مشكلة تهدد الأمن القومي التركي. أيضًا بقاء النفوذ الإيراني-الروسي بشكله الحالي، يهدد بشكل كبير الأمن القومي العربي والتركي. لذا لابد لهذه الدول من عمل شيء إن أرادت حماية أمنها ومصالحها القومية العليا.

ارتكب حلفاء الثورة أيضًا خطأ غيّر الواقع الميداني العسكري لصالح الأسد، وهو قبولهم الذهاب للعملية السياسية في فينا بتاريخ14\تشرين الثاني\2015م، والسماح في تصنيف التشكيلات المقاتلة (إرهابية ومعتدلة) قبل تغيير النظام إلى مرحلة لا رجعة فيها. تغيير النظام الذي كان كفيلًا لوحده في اعتدال الكثيرين. وهنا بدأ استقطاب شديد (إسلامي-علماني-ديموقراطي) كان سببًا في تقهقر جبهات الشمال السوري بشكل كبير. مع أن روسيا في النهاية لم تستهدف داعش كما ادعت سببًا لتدخلها في سوريا، ولكن استهدفت أماكن تواجد الجيش الحر والتشكيلات الحليفة للدول الثلاث. ولكن كان هدف حلفاء الأسد من هذه الخطوة أساسًا، فرط عقد جيش الفتح في الشمال، وحصول ذلك الاستقطاب على مستوى كل التشكيلات المقاتلة. وهو ما تمّ لهم.

تعليقات