في نقد سياسات الدول الحليفة ومستقبل القرار الوطني السوري 3-3

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

22/2/2016
السورية نت
المؤلف: 

 

القرار الوطني السوري ومستقبله

لم يكن عند الأسد أي مشكلة أو رادع أخلاقي أو وطني، في استجلاب كل أنواع التدخل، في سبيل قمع الشعب الثائر واستمرار بقاء نظامه، إن كان في شكل جماعات طائفية (لواء أبو الفضل العباس-لواء الفاطميين...) أو أحزاب (كحزب الله اللبناني) أو دول (كإيران-الحرس الثوري) أو روسيا (عبر تدخل جوي كامل، وبري لايزال في ازدياد) والتأسيس لبناء قواعد عسكرية ثابتة فيما يشبه الاحتلال.

لاذَ الشعب السوري منذ الشهور الأولى بالمجتمع الدولي الذي أعلن دائمًا مبادئ أخلاقية (حماية الشعوب المضطهدة-بناء مجتمعات ديمقراطية تعددية-ومعاداة النظم القمعية) حتى يخلصه من هذا النظام المجرم، ورفع شعارات تطالبه بالتدخل لحمايته، أو بتسليح الجيش الحر (الذي أعلن هدفه في حماية الثورة والشعب السوري والمظاهرات السلمية، والتأسيس لجيش سوري غير طائفي)، وسُميت إحدى جُمَع الثورة بذلك. ولكن شيئًا من ذلك لم يحدث. وبقي المجتمع الدولي يراقب بدم بارد ما يحصل في سوريا. وصرح قادة كثيرون في العالم وعلى رأسهم الرئيس الأمريكي أن الأسد فقد شرعيته وعليه الرحيل وأن أيامه باتت معدودة. هكذا من دون أي تحرك جاد (سياسي أو عسكري). وتُرك القرار الأممي في يد روسيا لامتلاكها حق النقض (الفيتو). وتدخلت إيران بكل قوتها لمنع سقوط الأسد، وعندما عجزت عن ذلك أخذت روسيا على عاتقها منع سقوط النظام وقلبت الموازين.

خلال تلك الفترة وبعد انتهاء العام الأول من الثورة، سارع المجتمع الدولي وقادته في تسمية ما يجري في سوريا حربًا أهلية، وليس ثورة من أجل الحرية والكرامة. وركزوا على حالات القتل الطائفي التي يرتكبها الأطراف المتنازعون حسب تعبيرهم، ولم يعودوا مهتمين بمئات المظاهرات التي رفعت قيم العدل والمساواة وحاربت تطييف الثورة، ونادت بنظام تعددي لكل السوريين. (كانت حالات القتل الطائفي فردية تمامًا من طرف الثورة، وحصلت بشكل أساسي كرد فعل على ما يقوم به النظام من مجازر جماعية مروعة على امتداد التراب السوري، وبسبب تعطيل نظام الأسد عمل أجهزة الشرطة في المدن الثائرة وإطلاق سراح مجرمين جنائيين من سجونه، حتى تسود الفوضى العارمة).

وبذلك أراح المجتمع الدولي ضميره، فلا ثورة في سوريا تستلزم تدخله. وعلى السوريين أنفسهم إنهاء حربهم الأهلية التي لا تحمل أي بُعد أخلاقي. حتى استخدام السلاح الكيماوي ضد المدن السورية الثائرة، وقتل ما يقارب 1400 إنسان في غوطتي دمشق، تم التحرر من ردع ومعاقبة مستخدميه بكل لباقة ودبلوماسية، مع أنه كان خطًا أحمرًا أمريكيًا. 

بسبب هذه السياسة العالمية تجاه الشعب السوري الشجاع، أصبح الثائرون أمام كل السيناريوهات الممكنة. وكل الأشكال البشعة وكل أنواع التطرف. صاحبَ ذلك قتل وتهجير يومي في مسعى لتغيير معالم المشهد السكاني السوري، واعتقالات طالت مئات الآلاف من الشباب والنساء والأطفال.

بعد كل ذلك الخذلان، لا يمكن لنا لوم من لجأ إلى دولة مجاورة (عربية أو مسلمة) لحمايته أو دعمه ضد آلة القتل اليومية.

تركيا وقطر، هما الدولتان اللتان كانتا ولا تزالان تدعمان صمود الشعب السوري في وجه نظام الأسد (سياسيًا وعسكريًا وإنسانيًا). وانضمت لهما السعودية في عهدها الجديد، عهد الملك سلمان، وقادت الحلف الثلاثي. ولكن يبقى هذا الدعم بسيطًا جدًا ولا يغير الموازيين العسكرية أساسًا فيما لو قارناه مع ما يتلقاه نظام الأسد من مساندة هائلة (معلنة وضمنية). وللأسف تم افشال السوريين بكل الوسائل الممكنة في سعيهم لبناء مشروعهم الوطني خلال السنوات الماضية. ففي كل محاولة لتجميع وتأسيس هيكل جامع للثورة، كان يخرج الروس والإيرانيون وأحيانًا الأوروبيون والأمريكيون، بدعاوى أن المجتمعين لا يمثلون كل أطياف المعارضة السورية (حدث ذلك بعد تشكيل المجلس الوطني وبعد تشكيل الائتلاف، ويحدث اليوم بعد تشكيل الهيئة العليا للتفاوض). وكل المحاولات من تلك الدول المعادية للثورة كانت لتلغيم الهياكل والقوى الثورية وبالتالي تفشيلها، لمصلحة استمرار نظام الأسد أطول فترة ممكنة، وبالتالي استمرار نزيف الشعب السوري.

لايلام الشعب السوري بعد كل ذلك على واقع لم يُرده، ولكن لابد أن نعترف بالحقيقة المرة (حاليًا وفي المستقبل المتوسط) أنّ قرارنا السوري المستقل قد سُلب منا ولا نملك منه (نحن كثوار ومؤيدين للثورة) إلا تجميع أنفسنا من جديد في مشروع وطني (سياسي وعسكري) أساسه المصلحة السوريّة العليا، والعمل تحت هذا العنوان مع الدول الحليفة، طالما أنها تعترف بحقوقنا المشروعة، بما يضمن لنا مستقبلًا أفضل مما يريده نظام الأسد وداعموه، ومحاولة استعادة قررانا الوطني المستقل في المستقبل.

خاتمة وتوصيات

من المؤكد أن المعركة لم تحسم لصالح محور الأسد، ولكن الواضح أن التدخل الروسي أحدث فرقًا كبيرًا في المشهد السوري وأعطى نظام الأسد مصلًا جديدًا جعله ينتعش بعد أن شارف على السقوط.

وعلى المستوى السوري، استطاع نظام الأسد وداعموه تثبيت معادلة (الأسد أو الإرهاب) عالميًا. فيما تتجلى مهمة الثورة الكبرى وممثليها اليوم، وبعد هذا التقدم الميداني لصالح الأسد، أن يعيدوا المجتمع الدولي إلى معادلتهم الصحيحة (نظام الأسد الدكتاتوري المجرم، أو ثورة من أجل الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية. ثورة تَعِد الشعب السوري بكل مكوناته، وتعد العالم، بنظام تعددي حديث يتم تداول السلطة فيه بشكل سلمي، ولا يتعارض مع المصالح والمواثيق الدولية). هذه المعركة، المعركة الوطنية، هي أم المعارك اليوم ومنذ لحظات الثورة الأولى. ومن خلالها نكون أو لا نكون. ورغم أنها تحتاج إلى الكثير من الجرأة والتخطيط والتنظيم في ظل هذه الظروف بالغة التعقيد، إلا أنه إن خضناها باقتدار، فمن المؤكد أن الثورة ستقلب الموازين، وإن خذلها من خذلها. ويمكن لمدن الريف الدمشقي الثائر (الغوطة الشرقية وداريا) أن تكون هي قاطرة هذا العمل الوطني، لما تمتلكه من سمعة جيدة على مستوى مجالسها المحلية وتنظيمها العسكري. كما يجب على الثورة السورية دعم هيئة التفاوض بشكل كبير ومستمر، والثقة بقادة سياسيين أثبتت التجربة أنهم يمتلكون الكثير من الخبرة والكارزما اللازمة لقيادة العمل السياسي، أمثال رياض حجاب ورياض نعسان أغا.

وإن كانت الدول الحليفة (السعودية، تركيا وقطر) لاتزال تنوي القيام بما صرّحت عنه، وهو منع إيران من تحقيق مشروعها العابر للحدود، والضغط على الوجود الروسي في سوريا، حتى لا يشكل تهديدًا استراتيجيًا لها، وتخليص الشعب السوري من نظام مجرم يحكمه حاليًا، إلى نظام يليق بشعب وحضارة كبيرين، فعلى هذه الدول أن تتبنى استراتيجيات جديدة، أساسها الحزم وعدم التردد، وعدم ترحيل المشاكل التي تتطور كما نلاحظ بشكل سريع إلى مشكلات كبرى مع الوقت، وتوسيع تحالفاتها بطريقة عمودية لتشمل أكبر عدد ممكن وفاعل من الدول، والالتقاء على المشتركات وتأجيل النقاط الخلافية مع بعض الأنظمة إن أمكن ذلك. وربما وهذه نصيحة من دورس التجربة السياسية نفسها، الإكثار من الأفعال أولًا وأخيرًا. عندها لا مانع من الكلام الكثير والحديث عن الانجازات. أما أن تكون معظم التصريحات تعاكسها الوقائع الميدانية، فهذا يسيء أساسًا لسمعة الدول نفسها وعدم مصداقيتها أمام شعوبها وشعوب المنطقة. في الوقت الذي تزداد التهديدات والمخاطر، على أمنها واستقرارها الداخلي والخارجي. 

تعليقات