قراءة في خطاب تنظيم القاعدة في سورية

المواد المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

 

ترصد هذه الورقة تحولات خطاب تنظيم القاعدة في سورية منذ مؤتمر الرياض (كانون أول 2015م)، على مستوى القيادة الأم أو جبهة النصرة وأنصارهم، على مدى الأشهر الماضية، في محاولة لقياس التغيير الذي يعبّر عنه هذا الخطاب، إن كان مرحلياً أو استراتيجياً أو براغماتياً محضاً. وتزعم الورقة أنها مرحلة نضج لخطاب التنظيم كحركة سياسية، وقدرته على إدارة معركته الإعلامية، بما حملت هذه المرحلة من ازدواجية بين الخطاب والخطة، مقارنة بما حملته المراحل السابقة من تعددية في خطاب التنظيم نفسه تصل حد التناقض والاصطدام.

أولاً: من أحادية الأيديولوجي إلى ازدواجية السياسي

مرّ خطاب جبهة النصرة منذ نشأته في سورية بمراحل من التطور والتعدد والتحولات. ولم تكن بيانات جبهة النصرة الأولى تذكر تنظيم القاعدة، وإنما تكتفي بالتوقيع باسم "من إخوانكم مجاهدي الشام في ساحات الجهاد"، إلى أن أعلن الجولاني بيعته لأيمن الظواهري، وركّزت جبهة النصرة بعدها على طباعة رايات باسم "تنظيم القاعدة في بلاد الشام"، كما أصبح التأكيد على الانتماء لتنظيم القاعدة هو الرأسمال الرمزي المعتبر للنصرة في مواجهة خصومها، وإظهار التفوق عليهم في الشرعية الجهادية والدينية.

وقد ظهر خلاف التيارات داخل جبهة النصرة في مواقف مفصلية عديدة مثل ميثاق الشرف الثوري رغم الموقف الرسمي. وقد فاقم تحول جبهة النصرة بعد سقوط دير الزور لخطة إقامة الإمارة وإقصاء تيار القحطاني من ظهور هذه الخلافات إلى العلن، وهو الإقصاء الذي طال عزل بعض مؤسسي جبهة النصرة ممن كان لهم موقف أقلّ حدة تجاه الفصائل الثورية (مثلاً: صالح الحموي)، ولكن هذا الافتراق في المواقف تقلص في المرحلة الأخيرة، وبدا من الملحوظ أن مواقف جبهة النصرة ومنظّريها شبه موحدة بشكل كبير، إضافة إلى عودة القحطاني إلى اللجنة الشرعية ومجلس شورى جبهة النصرة (آذار 2016م).

في مقابل توحد الموقف المعلن للجماعة إعلامياً في مرحلة الدراسة (كانون أول 2015م -أيار 2016م)، فإن تكرار حوادث اصطدام جبهة النصرة مع الفصائل الثورية ومحاولات قمع المظاهرات الشعبية في الشمال السوري، رغم محاولات التقارب مع الخطاب الثوري الذي أظهره زعيم جبهة النصرة في كلماته الأخيرة، قد أكد وجود مسافة براغماتية ما بين الخطاب المعلن للجبهة وما بين الأيديولوجيا التعبوية وسلوكه واستراتيجيته على أرض الواقع.

ثانياً: هيمنة الخطاب الثوري

كان عام 2013م مرحلة هيمنة خطاب السلفية الجهادية في سورية، أو ما ندعوه "هيمنة الخطاب الأقصى" على الفضاء العام، والذي امتدّ حتى إلى المجاميع الثورية التي لا تصنف ضمن التيار السلفي الجهادي أو الجهادي المعولم.

استكمل الخطاب الثوري تصاعده واستعادَ هيمنته على الفضاء العام عبر مراحل عدة، كان أبرزها المعارك العنيفة ضد النظام منذ التدخل الروسي (30 أيلول 2015م)، والتي تحملت فصائل الجيش الحر العبء الأكبر فيها، خاصة في ريف حماة الشمالي والساحل، ثم تشكيل الهيئة العليا للمفاوضات بمشاركة الفصائل (10/12/2015م)، والتي تم تناولها في الخطاب الجهادي (مع الهدنة المؤقتة التي دخلتها الفصائل) كمظاهر للتنازل والمؤامرات والعمالة. وكان أبرز مظهر لهيمنة الخطاب الثوري هو موجة المظاهرات الشعبية الحاشدة في المناطق المحررة فيما بعد إقرار الهدنة وفي ذكرى الثورة السورية (آذار 2016). ورسّخت صدامات عدة هذه الهيمنة والتمايز ما بين الخطاب الثوري والجهادي، خاصة قمع مظاهرات مدينة إدلب والتعدي على علم الثورة السورية فيها (7/3/2016م)، والهجوم على الفرقة 13 في معرة النعمان (13/3/2016م).

وبعد ردود الفعل الواسعة على مقابلة الجولاني التي قال فيها إنه "لا وجود للجيش الحر" والاحتقان الذي ظهر من خلال اصطدامات متتابعة كان أبرزها اصطدام جبهة النصرة خلال أسبوع واحد بالتمثيلات الثورية المدنية (مظاهرات إدلب) والعسكرية (الفرقة 13)، وخاصة بعد الاحتقان الكبير في تناول مؤتمر الرياض والخطوات التي انبثقت عنه (الهيئة العليا للتفاوض، المشاركة في جنيف، الهدنة المؤقتة...الخ)، طرأ تحول ظاهر في خطاب جبهة النصرة لاستدراك ما حصل.

ثالثاً: التنافس على الثورة

من جهةٍ أولى أسهم صعود الخطاب الثوري وتراجع شعبية وتأثير الخطاب الجهادي في تنامي شعبية فصائل الجيش السوري الحر، ودعم موقفها السياسي وتوسع قاعدتها الشعبية، بالتوازي مع الاصطفاف السياسي والعسكري لهذه الفصائل. ولكن من جهة مقابلة، فإن هذا التصاعد واجه -في الوقت نفسه-موجة من التشكيك بمبدئيته لدى الجهاديين إزاء موافقة الفصائل على الدخول في العملية السياسية واتفاق وقف الأعمال العدائية المؤقت، وهو ما كان فرصة للتيار الجهادي لتصعيد اتهاماته للفصائل.

وقد شهدت الساحة السورية وفرة في مبادرات توحيد الفصائل فيما بعد مؤتمر الرياض، لعلّ أبرزها كان "مبادرة طلبة العلم" والتي طرحها عدد من المشايخ بعضهم أقرب للتيار الجهادي وبعضهم من فصائل ثورية، وطرحت تشكيل حكومة للفصائل في الداخل، ولم تنجح المبادرة، وتحفّظت عليها جبهة النصرة.

دعا زعيم الجبهة أبو محمد الجولاني قادة فصائل جيش الفتح لمبادرة بديلة، تتلخص بدمج فصائل جيش الفتح ضمن راية وقائد واحد، وإعلان عدم تبعية التشكيل لأي مرجعية في الخارج (وهذا كان بديل النصرة عن فك الارتباط بالقاعدة)، ولم تنجح هذه المبادرة أيضاً بسبب رفض حركة أحرار الشام بشكل رئيس.

رابعاً: الافتراق المحتوم

لم تنجح مبادرة الجولاني (اندماج جيش الفتح) في كسر الاحتقان المتراكم ما بين جبهة النصرة والفصائل الثورية حتى المصنفة كإسلامية منها (أحرار الشام)، أو في ضمّ هذه الفصائل لمشروع يقوّض احتمالية انعزالية مشروع الجبهة عن مشروع الفصائل الثورية المحلية. ورغم الخطاب الثوري المرن فقد تكررت الصدامات التالية:

أولاً: بين جبهة النصرة والفعاليات الثورية المدنية ضمن المظاهرات الشعبية التي نشطت خلال آذار 2016م بعد سريان الهدنة ومع الاحتفال بذكرى الثورة السورية.

ثانياً: ما حصل بين جبهة النصرة والفصائل الثورية بعد هجومها على الفرقة 13 في معرة النعمان (13/3/2016م)، حيث تعتبر معرة النعمان ومظاهراتها (وكذلك الأتارب وكفرنبل وغيرها) أحد الحواضن الرئيسة للخطاب الثوري الأكثر قُرباً للجيش الحر والمصادم للتيار السلفي الجهادي والجهادي المعولم.

ثالثاً: تأسيس "جيش الفسطاط" (15/3/2016) في الغوطة الشرقية، كخصم لجيش الإسلام كما كان واضحاً منذ البداية، وكما تأكد في مشاركته العنيفة ضد جيش الإسلام منذ بداية أحداث الغوطة الشرقية الأخيرة (28/4/2016م)، وبتصعيد كبير في خطاب التخوين والتكفير ضد الجيش.

وقد أظهرت هذه الصداماتُ براغماتية المرونة المرحلية لخطاب جبهة النصرة، وأنها لم تعكس تطوراً فكرياً أو تحولاً استراتيجياً في سياسة الجبهة مع المجتمع المحلي والفصائل الثورية أو مع مشروع "الإمارة". وقد كانت المفارقة أن الجبهة تحاول تمثيل الثورة في الإعلام، بينما تصطدم بتمثيلات الثورة المدنية والعسكرية على الأرض.

خامساً: التحول للنفير

مع عدم تحقيق الخطاب الثوري الذي تبنته الجبهة خطوات تقارب مع الفصائل والحواضن الثورية، وعدم نجاح الرهان على كسب مقاتلي هذه الفصائل عبر مهاجمة الهدنة، وذلك بسبب سياسات الجبهة نفسها واصطدامها معهم، ودون أن يؤثر ذلك على التحالف الميداني بين جبهة النصرة والفصائل الثورية في جبهات القتال ضد النظام (خاصة ريف حلب الجنوبي)، فقد تحول تنظيم القاعدة لخطوة أخرى، دون أن تغيب معالم الخطاب الثوري تماماً عن شعاراتها، بعدما تمّ كسر "تابو" المصطلحات الثورية عملياً بكلمة الجولاني.

 

خاتمة

تستلزم القراءة الصحيحة لخطاب تنظيم القاعدة في سورية إدراك مستوياته وسياقاته ورسائله، وعدم المطابقة ما بين الخطاب المعلن والأيديولوجيا التعبوية والقناعات الحقيقية والاستراتيجية العملية، فهو خطاب سياسي أكثر مما هو خطاب أيديولوجي بحت، خاصة بالنسبة للخطاب الموجه للعموم في المرحلة الأخيرة.

وقد أظهرت جبهة النصرة منذ مشروع الهدنة براغماتية تجاه استخدام المفردات الثورية وحاولت عبر التقارب الخطابي مع الحاضنة الثورية للتنافس على شرعية تمثيل الثورة، في مواجهتها للعملية السياسية التي أفرزها مؤتمر الرياض وتوافق الفصائل على مرجعية سياسية، مع هيمنة الخطاب الثوري وعودة شعارات الجيش الحر للفضاء العام، وبدلاً من مصادمة المشروع الثوري، فإن خطاب الجبهة أراد تسويق مشروعه من خلال هذا الخطاب الثوري الجديد.

ولكن الانتماء الظاهر إلى تنظيم القاعدة وعُقدة التمايز عن الفصائل الثورية التي ترسخت لدى عناصر الجبهة خلال أربع سنوات، إضافة لمشروع جبهة النصرة نفسه، وشعورها بالتهديد من دخول الفصائل ضمن عملية سياسية دولية، دفع للاصطدام بتمثيلات الثورة المدنية والعسكرية، كما ظهر بقمع المظاهرات الشعبية التي ترفع علم الثورة وبالهجوم على الفرقة 13، حيث لم يفد خطاب التقارب مع الثورة في دمج جبهة النصرة ضمن شعارات الثورة ومظاهراتها، ولكن على النقيض من ذلك حاولت جبهة النصرة أن تصوّر مشروعها باعتباره مشروع الثورة الحقيقي، كقوة مساعدة ضد المنافسين الثوريين.

ولم ينجح خطاب النصرة الموجه للحاضنة الثورية والمنافس على شرعية تمثيل الثورة، في إقناع عناصر الفصائل الثورية بأن فصائلهم وقعت بخيانة لاشتراكها في العملية السياسية والهدنة المؤقتة، ولا في كسب مقاتلين جدد من هذه الفصائل، وهو ما تلاه تحوّل مكثف لإظهار مزيد من التماهي ما بين النصرة وتنظيم القاعدة الأم، كمحاولة لكسب متطوعين جدد من "المهاجرين"، من خلال العودة للسقف التقليدي للخطاب السلفي الجهادي وإرسال دعوات النفير إلى الشام وتأكيد شرعية تمثيل الجهاد العالمي.

ولا يعني التحوّل الخطابي تحولاً استراتيجياً بالضرورة، بقدر ما أن انزياح هذا الخطاب المتغير باستمرار نحو مفردات ثورية محلية أو جهادية عالمية، وزخم الكلمات والإصدارات التي أصدرها تنظيم القاعدة حول سورية في الأشهر الأخيرة موضوع الدراسة، يوحي بوجود اختلافات داخلية تعصف بالتنظيم، وحالة من التوتر والتخبط إزاء خيارات التعامل مع الواقع، فكما أن الانزياح الثوري في خطاب الجولاني لم ينعكس على تقارب مع الفصائل والحواضن الثورية، فإن الانزياح نحو الجهاد العالمي مؤخراً لا يعني بالضرورة إلغاء إمكانية فك الارتباط بتنظيم القاعدة، رغم أن النصرة أصبحت مركز ثقل التنظيم الأكبر (وشبه الوحيد) ورغم انتقال عدد كبير من قادة التنظيم الأم إلى جبهة النصرة، كما لا يعني تهديد شرعي جبهة النصرة (أبو عبد الله الشامي) للولايات المتحدة بأن الجبهة تخطط فعلاً لعمليات عسكرية خارج سورية.

وتقف جبهة النصرة على مفترق طرق صعب، ما بين التحولات السياسية الدولية من جهة والتي أصبحت أقرب لدعم موقف نظام الأسد وقوات سوريا الديمقراطية وإضعاف الثورة السورية بالعموم سياسياً وعسكرياً، والاستقطاب المتزايد ما بين جبهة النصرة من جهة، والفصائل والحواضن الثورية من جهة ثانية، والخلافات الداخلية فيما بين المؤيدين للاندماج في المشروع المحلي والداعمين للتماهي مع تنظيم القاعدة الأم من جهة ثالثة. وأمام هذه التحديات الموضوعية والذاتية لا يمكن أن تكفي تحولات خطابية مؤقتة في علاج مشكلة تتعلق بجذور المشروع واستراتيجيته العامة.

 

تاريخ النشر من المصدر: 
10/ 06/ 2016
المصدر: 
مركز عمران للدراسات الاستراتيجية