قوات عربية مشتركة لمحاربة من؟

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

8/3/2015
العربي الجديد
المؤلف: 

تنطوي الدعوة التي أطلقها الرئيس المصري، عبدالفتاح السيسي، لتشكيل قوّة عربية مشتركة لمواجهة الإرهاب، والمراد مناقشتها في القمة العربية المقبلة، على لبسٍ يطال الإطار القانوني لهذه القوة وأهدافها ونطاق عملها. وهو ما أحدث حالة من الشك والتردّد تجاهها، على الرغم من أن الطرف المصري فاجأ الجميع بطرحها في لحظة درامية عاصفة، ومرّرها في ثنايا ردّة الفعل على قتل "داعش" عمالاً مصريين في ليبيا.

من نافلة القول إنّ أمن مصر يهم جميع العرب وضمن أولوياتهم، باعتبارها جزءاً مهماً من منظومة الأمن العربي، وبالنظر إلى مكانتها في قلوب العرب. لكن، ثمة فرق هائل بين طموحات وأهداف تكتيكية لنخبة حاكمةٍ ومتطلبات استراتيجية لأمن قومي، فالأمر يتعدى منطق الفزعة إلى رسم استراتيجية كاملة، للانخراط في مثل هذا العمل، بما يتطلبه ذلك من موارد ورؤية واضحة، ومعرفة الجدوى من هذه العملية، وقبل ذلك إجراء عملية تقييم للتحديات والمخاطر وترتيبها، حسب خطورتها على المجمل القومي.

ولعل أولى التحديات التي تواجه مثل هذه الدعوى، محاولة دمجها في أطر اتفاقيات جامعة الدول العربية، على اعتبار أن الأساس القانوني موجود، ولا يحتاج الأمر سوى تفعيل نصوص الاتفاقيات الخاصة بهذه الحالة، مثل اتفاقية الدفاع المشترك الموقعة سنة 1950، والاتكاء على ما تمتلكه من جاذبية شعبية وشرعية في الأوساط العربية. لكن السؤال: هل سيشمل دور هذه القوة المشتركة الدفاع عن الفلسطينيين، باعتبار فلسطين دولة عضوا في جامعة الدول العربية؟ وماذا عن الشعب السوري الذي يتعرض لاحتلال علني، ومحاولة دؤوبة لسلخه عن الهوية والجغرافية العربيتين؟ وأين موقع اليمن وباب مندبها الذي يشكل جوهرة الأمن القومي العربي؟

ثم ما هو المدى الذي يمكن أن تذهب إليه القوّة التي يراد تشكيلها، تحت راية الدفاع العربي المشترك، وبذريعة الحرب على الإرهاب، وأين ستكون أماكن انتشارها؟ وقبل ذلك، ما هو مفهوم الإرهاب وطبيعته الذي ستجرد عليه الحملات، وما هي الكيانات التي تمثله؟ هل هو مرتبط بالتعيين المصري الذي يشمل "قوات فجر ليبيا" و"كتائب القسام" وحسب؟ ماذا عن إرهاب إيران ومليشياتها وإسرائيل ومستوطنيها؟ هل حدود محاربة الإرهاب ستقف عند طرابلس في الغرب ورفح في الشرق؟ حسناّ في سورية والعراق واليمن، أين يمكن أن تعمل الجيوش العربية؟ وهل تنخرط مع إيران في حروبها ضد الشعب السوري؟ هل سيتشارك الطرفان في قطاعات ميدانية واحدة أم ينحصر عمل القوة العربية المشتركة في المناطق الخارجة عن سيطرة إيران، في تكرار لتجربة قوات التحالف ضد" داعش" في العراق وسورية؟

ثبت بما لا يدع مجالا للشك أن الإرهاب لا يمكن مواجهته بالطرق الأمنية وحدها، ولم تنفع جهود جبارة بذلتها قوى كبرى للقضاء عليه، وتأكد أن الإرهاب هو نتيجة طبيعية لفشل النخب الحاكمة في التنمية، وعجزها عن القيام بالتحول الديمقراطي وفشل أيديولوجياتها في تدعيم ركائز الوطنية، وتحقيق العدالة، واتخاذها موقفاً معادياً من الحداثة السياسية. وانطلاقاً من هذه الحقائق، يمثل نمط تفكير عبدالفتاح السيسي ارتكاسة لمفهوم الأمن القومي، من كونه مكسباً للشعب في مواجهة السلطة إلى عنصر قوة بيد الأخيرة في عملية مناقضة لحركة التاريخ!

على ذلك، ليس الهدف الحقيقي من صناعة هذه القوة هو نفسه الهدف الذي يتم الإعلان عنه، حماية الأمن القومي، ذاك أن مفهوم الأمن بات أكثر غنى وثراء لشموله العناصر الحقوقية والتنموية والقدرة على التطور، ولم يعد ممكناً توظيفه في تكريس حكم نخبوي مستبدّ. لذلك، الهدف الحقيقي المباشر لمثل هذا الجسم الذي يراد إنشاؤه "القوة العربية المشتركة" هو تحويلها إلى أداة تنفيذية لاستراتيجية التمسك بالسلطة والانقلاب على الثورات، أداة بيد الثورات المضادة لوأد الثورات العربية، بذريعة محاربة الإرهاب، وإعادة عسكرة السياسة العربية. وفي ذلك تأكيد على انحراف عقيدة الجيوش، من مواجهة المخاطر الخارجية إلى مواجهة الشعوب، وفي أحسن الأحوال تحويل الجيوش العربية إلى قوة بوليس تعمل، دائماً في دوامة لا تنتهي، بهدف تكريس وحماية نظم الاستبداد، وشرعنتها عربياً ودولياً.

الأهم من ذلك كله أن هذه القوة ستتحول إلى إطار لتضييع الجهود العربية، وإعطاء الفرصة للمشاريع الأخرى، لكي تنجز مهامها في تفتيت العالم العربي ومحاصرته وإضعافه. والإشكالية أن اللحظة التي يمر بها العالم العربي دقيقة جداً، ولا تحتمل مثل هذا الانحطاط في الفكر الاستراتيجي، والانخراط في صراعات وتناقضات ثانوية، فيما المنطقة يعاد صياغتها. وليس بعيداً سوف تتكرس توازنات جديدة منبثقة من نتائج التوازنات العسكرية على الأرض، وأن الأطراف المواجهة لا تعبث وهي جادة في سعيها، ولعل ما يطمئنها إلى أفعالها معاينتها هذا النمط من التفكير الاستراتيجي.

لم يعد سراً ماهية الخدمات التي تقدمها الاستخبارات المصرية لنظام بشار الأسد ودرجة التنسيق بين الطرفين، فهل على هذه الشاكلة سيكون عمل القوّة العربية المشتركة؟ ضرب من بقي صامداً في مواجهة ماكينة الاقتلاع الإيرانية وقتله أو دفعه إلى النزوح. وما درجة التنسيق بين أجهزة الأمن المصرية وقاسم سليماني، باعتباره القائد الميداني الحقيقي في سورية؟ وهل ذلك مناسب للأمن القومي العربي؟ هل هذه الحروب التي يراد صرف الأموال والطاقات البشرية العربية من أجلها، لكي تصب، في النهاية، في مصلحة تعزيز مشروع إيران التطهيري، وحماية أمن إسرائيل، لتتفرغ لإبادة من تبقى من عرب في فلسطين؟ قوات على مين!