قواعد أساسية في باب "الدعوة للحوار مع إيران"

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

16/ 03/ 2015
السورية نت

 

خلال الفترة القليلة الماضية، لوحظ وجود ازدياد في عدد المقالات العربية التي تدعو إلى الحوار مع إيران، كما لوحظ أنّ غالبية هؤلاء ينتمون إلى تيارين في الغالب، لن أتطرق إلى خلفيات الداعين وأفكارهم وأدوارهم السابقة وكيف كانوا جزءً من حالة النفخ في أجندة إيران وأدواتها  (كحزب الله) في المنطقة خلال العقدين الماضيين تحت شعار مقاومة إسرائيل، وسرعان ما تراجعوا، او انكفئوا مضطرين تحت وطأة الثورات العربية إلى التغيير التكتيكي في خطابهم قبل أن يعودوا إلى النغمة ذاتها مجدداً الآن، ولكن بصيغة أقل حديّة وبمسوغات مختلفة أبرزها أنّ إيران أصبحت تهيمن على الدول العربية وأنّ هذا بحد ذاته يستوجب التواصل والحوار معها. 

الحوار في المبدأ أمر مهم وحيوي وإيجابي ومطلوب ويجب السعي لتشجيعه دوماً وعدم الخوف منه، لكن الأهم هو مع من ومتى ومن أجل ماذا وعلى أي أساس وما هي النتيجة المرجوة من الحوار. فالحوار مهم بقدر ما يكون وسيلة للوصول إلى الهدف، وهو يفقد أية أهمية عندما يتحول إلى غاية مجرّدة لا تضيف أية قيمة مضافة للعملية. بل على العكس، في الحالة الأخيرة قد يتحول الحوار إلى عبئ على بعض المتحاورين كما سنشرح في سياق المقال.

سبق وأن ذكرت في مقال سابق لي بأنّ السياسة الإيرانية سياسة معقّدة لمن لا يفهم طريقة التفكير الإيرانية والأدوات التي يوظفها النظام في سبيل الحفاظ على وجوده وتعزيز أجندته وتنفيذ مشروعه، لكنها في الوقت نفسه سياسة قابلة للفهم والتفكيك والمواجهة إذا تمّ استيعاب الخلفيّة الاستراتيجية التي يتحرّك الإيراني ضمنها. لقد طوّر النظام الإيراني مع الوقت سلسلة من المفاهيم والأدوات والممارسات المستمدة من خلفيته التاريخية والثقافية والطائفية وحوّلها إلى عقائد استراتيجية يجري استخدامها وتوظيفها في إطار رؤية سياسية محددة الأهداف والمعالم.

وفي هذا السياق، هناك إشكاليات تتعلق بمنهج الحوار نفسه مع الجانب الإيراني، وهناك إشكاليات تتعلق ببنية النظام الإيراني نفسه، وثالثة تتعلق بكيفية فهم النظام الإيراني لأية عملية حوار والغرض المراد تحقيقه منها، وهي أمور يجب دراستها بعناية بالغة جداً من قبل الداعين إلى الحوار  مع النظام الإيراني، ومن قبل من يعتقد أنّه بدعوته إلى الحوار مع إيران إنما يفعل أمراً جيّداً أو أنّه سيستفيد منه.

عدم فهم هذه القواعد -التي سنشرحها- بشكل جيد، يجعلنا نقول إنّ الدعوة الى الحوار مع إيران في هذا التوقيت بالذات هي عمل متهور وعشوائي وبمثابة قفزة في الهواء غير معروفة النتائج، لا بل من الأصح القول إنّ نتائجها السلبية تفوق بكثير أية نتائج إيجابية قد يأمل البعض تحقيقها عبر هذه العملية.

من القواعد الأساسية لأي حوار  هو أنّه "لا حوار مع من يمتلك سلاحاً على الطاولة". هذه القاعدة من القواعد البديهية التي يجب أن يعرفها كل من يدعو إلى الحوار. التحاور أو التفاوض مع طرف يضع مسدسه على الطاولة أو في رأسك يجرّد أي حوار من معناه وتتحوّل العملية عندها إلى عملية فرض إرادة أو إلى شهادة زور في أحسن الأحوال.

المشكلة في أنّ الداعين من العرب إلى الحوار مع إيران لا يتعلمون حتى من إيران نفسها. النظام الإيراني وبالعودة إلى الحقائق التاريخية يرفض رفضاً قاطعاً الحوار مع أي طرف عندما يكون هذا الطرف في موقع متفوق عليه وهو في الموقع الأضعف، أو إذا كان الحوار المزعوم لا يخدم منذ البداية الأجندة الإيرانية أو لا يصب في مصلحتها أو إذا كان لا يخدم الهدف النهائي الذي يسعى النظام الإيراني إليه.

القاعدة الأولى تدفعنا إلى الحديث عن القاعدة الثانية ألا وهي"ضرورة أن يتمتع الطرفان -على الأقل معنوياً- بحالة من التوازن في القوى أو في المكانة"، وذلك لأن الفارق الكبير في ميزان القوى يجعل الحوار أداة في خدمة الطرف الأقوى أو الطرف المحتل أو الطرف المهيمن، وفي هذه الحالة لا يكون الحوار سوى وسيلة لفرض إرادة الطرف الأقوى على الطرف الأضعف. وعليه فمن غير الحكيم ولا العقلاني أن تتحاور دولة عربية صغيرة أو محدودة الحجم مع إيران ، ومن غير الحكيم أيضاً أن تتحاور دول عربية كبرى معها ما لم تمتلك أوراقاً في يدها.

القاعدة الثالثة هي أنه "من العبثية بمكان الحوار مع طرف يؤمن بشكل مسبق بأنّه لا مشكلة لديه ليتحاور بشأنها" أو أنّ سياساته ليست خاطئة أو أن منهجه غير  صحيح، الحوار يحتاج إلى طرف منفتح ومتقبل لمناقشة ما لديه، والجانب الإيراني أثبت مراراً وتكراراً بأنّه جانب غير منفتح على حوار حقيقي، وأن غالبية الحوارات إنما جاءت إما لتنفيس حالة الاحتقان ضده، أو لتجنب ضغوط، أو للتغطية على أفعاله.

النظام السياسي الإيراني أشبه بوحش "هيدرا" الأسطوري المتعدد الرؤوس، وهذه الطبيعة تمنح النظام الإيراني الأفضلية في التملص من نتائج أي حوار في الوقت والزمان المناسبين. وحتى مع افتراض التوصل إلى نتائج إيجابية مع أحد هذه الرؤوس سرعان ما يطعن بها الرأس الآخر وتفقد أهميتها.

أمّا إذا انتقلنا إلى المشاكل المتعلقة بالنظام الذي يدعو هؤلاء إلى محاورته ألا وهو إيران، فعندها سنجد أنّ المشاكل المتعلقة بالحوار أكبر بكثير مما سبق وذكرناه. أهم هذه المشاكل على الإطلاق هي "الوجوه المتعددة للنظام الإيراني". فالنظام السياسي الإيراني أشبه بوحش "هيدرا" الأسطوري المتعدد الرؤوس، وهذه الطبيعة تمنح النظام الإيراني الأفضلية في التملص من نتائج أي حوار في الوقت والزمان المناسبين. وحتى مع افتراض التوصل إلى نتائج إيجابية مع أحد هذه الرؤوس سرعان ما يطعن بها الرأس الآخر وتفقد أهميتها، بعض الرؤوس يقوم النظام الإيراني بنفسه بتغييرها أيضاً، وبالتالي هناك مشكلة في تحديد الجهة الصالحة للحوار أولاً، ولا يوجد ضمانة لاستمرار نتائج أي حوار أو الالتزام به من قبل النظام الإيراني ثانياً.

 أمّا العامل الثاني فهو "الازدواجية الإيرانية المتعددة المستويات". النظام الإيراني نظام مزدوج، هناك ما يقوله في العلن وهناك ما يختلف عنه و يقوله في السر، وهناك عمل مؤسساتي علنيّ وهناك عمل عصابات يقوم به تحت الأرض، وهناك ما يقوله لك أمامك وهناك ما يفعله ضدك خلفك، ومن الصعب جداً في ظل هذه الازدواجية إقامة حوار مع مثل هذا النظام خاصّة إذا لم يكن هناك سيطرة على هذه الازدواجية وهو أمر مستحيل عندما يتعلق الأمر بإيران لأنها جزء من طبيعة النظام. هذا يذكرني بمن يقول إنّ العقرب لا يلدغ لأنه شرير بل لأن ذلك جزء من طبيعته، وفي الحالة الإيرانية فقد يكون الاثنان معاً!

العامل الثالث المتعلق بطبيعة النظام الإيراني الذي يقوده المرشد هو "مبدأ التقيّة السياسية" الذي يتّبعه. لقد طوّر هذا النظام مع مرور الزمن مبدأ "التقيّة" بشكل فريد جداً من مبدأ مذهبي بمفهومه ومعناه الشيعي إلى مبدأ سياسي. التقية السياسية اليوم تشكل عماد السياسة الخارجية الإيرانية، وهي تختلف عن المراوغة بمراحل. مكمن الأهمية هنا، هو أنّك لا تستطيع أن تتحاور مع جهة لا تثق بها وتعرف أنها كاذبة، فهذا بحد ذاته كفيل في إعطائها أفضلية في الحوار أو التفاوض لأنك لن تكون قادراً على معرفة إذا ما كان ما يقوله صحيحاً أم لا، صادقاً أم لا، وبالتالي لا يمكن البناء على ما يتقدم.

أما المستوى الثالث لنقاشنا فهو الكيفية التي يفهم النظام الإيراني فيها الدعوة إلى الحوار من قبل أي طرف آخر. الإيرانيون تاريخياً يمجّدون الحاكم القوي الصلب الذي يتحدى الآخرين، وهذه ربما حالة مشتركة مع المشرقيين عموماً، لكنّ الإيرانيين يتخطونهم بمراحل تصل إلى حد عبادة الحاكم. هذه صفة موجودة في إيران التاريخية والحديثة، الملكية والجمهورية، العلمانية والدينية. نظام الولي الفقيه لا يختلف بشيء عن الشاهنشاه، وإنما بصبغة دينية تضفي على القائد حالة من الألوهية لناحية العصمة والطاعة وغيرها من المفردات والمفاهيم. ولا أعرف في هذه الحالة كيف من الممكن التوصل إلى نتيجة عبر الحوار مع المعصوم أو من ينوب عنه!

على كلٍ، الحوار يتم في العادة للتوصل إلى تسوية، والتسوية في الثقافة الإيرانية ولدى هذا النوع من الأنظمة هي مؤشر على حالة ضعف وخضوع (ما لم تتضمن ما يريده الجانب الإيراني)، وبالتالي سيكون من العبث الحوار مع من هو غير مستعد حتى للإيمان بفكرة أن الحوار هدفه مناقشة المشكلة للتوصل إلى حل.

أضف إلى ذلك أن ليس هناك من دافع يلزم إيران بقبول الحوار إذا لم يخدم أجندتها الخاصة، ولأن الطرف الداعي الآن هو في موقع أدنى من إيران حيث تحتل الأخيرة أربعة بلدان من بلدانه، فإن الدعوة إلى الحوار من قبل هذا الطرف هو تأكيد في الذهنيّة الإيرانية لحالة الضعف، ولذلك فإن الدعوة إلى الحوار فضلاً عن الحوار نفسه في هذه الظروف والأوضاع لا يخدم إلا إيران نفسها، فالإيرانيون ينظرون إلى أية دعوة للحوار معهم على أنها اعتراف بشرعية أفعالهم وبقوّتهم وبأنها استسلام من قبل الطرف الآخر.

هناك نماذج عملية على كل القواعد التي ذكرتها أعلاه في الحوار بين إيران والعرب وإيران وغير العرب ولن أكتبها هنا لأن المقال لا يتسع لذكرها. إيران غير مهتمة بالحصول على شي من العرب في أي حوار، هي تريد توسيع دائرة نفوذها وولائها وقد حصلت على أربع دول عربية بالقوة وليس بالحوار.  وإذا كان ولا بد من الحوار، فليتفضل هؤلاء باسمهم وليجروا حواراً سرياً معها، فإذا وجدوا ما ينفعهم من إيران فليجعلوه علنياً، وأنا واثق من أنّهم لن يجدوا شيئاً.

هناك من يقول بعد كل ما ذكرناه،"ما المطلوب إذاً"؟!.  المطلوب هو عدم إعطاء إيران في هذه المرحلة بالتحديد شرعية عربية أو إسلامية أو سنيّة لعملية الاحتلال التي تديرها في العالم العربي، وأن تحتل العالم العربي من دون شرعية أو غطاء أفضل بكثير من أن يتم العكس. وعلى من يريد الحوار مع إيران إدراك أن هذه الدعوة عبثية ما لم تقترن بإدارة "سياسة استنزاف" ضد إيران قبل الجلوس معها على أية طاولة حوار أو مفاوضات.

هناك من يقول إن الساحات العربية تستنزفها الآن بالفعل. أنا لا أتفق مع هذا التقييم حالياً، ولا أرى أنه دقيق كفاية، وقد سبق وشرحته في مقال "ما هي حظوظ العرب في إيقاف الزحف الإيراني"، ذلك أن الاستنزاف لا يأتي لوحده وإنما بحاجة إلى سياسة وإلى من يديره وإلى من يوجهه باتجاه إيران، وهذا غير موجود الآن لا في سوريا ولا في العراق ولا في لبنان ولا في اليمن، فهذه الساحات متروكة للفوضى ومن يتم استنزافه هناك وقتله وذبحه وتشريده وتدميره هم العرب وليس الإيرانيين.

لا شك أن هناك تكاليف على النظام الإيراني تحملها، ولا شك أنه درسها بعناية قبل أن يقرر الرمي بثقله في كل هذه الساحات العربية، ولكنها قليلة مقارنة بما حققه، كما أنّها لا تزال في الحد الأدنى المقبول بالنسبة له، وإذا ما أردنا التفاوض معه فيجب جعل تكاليفه باهظة وأكبر من قدرته على التحمل، وكل حوار خارج هذه المعادلة هو فاشل قبل أن يبدأ ولا يخدم إلا المشروع الإيراني.