كليات جامعية وجيش وطني وتوطين لاجئين

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

6أكتوبر/تشرين الأول 2019
تلفزيون سوريا
المؤلف: 

وفقاً لأحدث تصريحات الرئيس التركي أردوغان، بخصوص العملية العسكرية المرتقبة شرقي نهر الفرات، أصبحت هذه قاب قوسين أو أدنى كما يقال في العربية، أو "اليوم أو غداً" حسب تعبيره. قال أردوغان: "لقد أعطيت التعليمات الضرورية".

فقد انتهت، مع انتهاء شهر أيلول، المهلة التي كان الرئيس التركي قد أعلنها، في قمة أنقرة الثلاثية، قبل قيام الجيش التركي بعمل منفرد هناك، بعدما تعذر الاتفاق مع الحليف الأميركي على صيغة للمنطقة الآمنة ترضي تركيا. ومعروف أن قيادة الجيش قد حشدت قوات عسكرية كبيرة على الحدود، مع الآليات والمشافي الميدانية وغيرها من مستلزمات الحرب. بل إن الرئيس التركي تحدث عن استكمال الخطط العسكرية وأعلن عن اسم العملية (ينابيع السلام)! وقال إنه سيتم ضرب الأهداف من البر ومن الجو!

ويتجاوز الطموح التركي هدف إبعاد قوات حماية الشعب الكردية عن الحدود، إلى خطط بعيدة المدى كتوطين مليون أو مليونين من اللاجئين السوريين في تركيا في مناطق يتم تجريفها ديموغرافياً على ما يخشى كرد تلك المناطق، على غرار تغييرات ديموغرافية سابقة تعرضت لها مناطقهم كمشروع الحزام العربي والإحصاء الاستثنائي في ستينات القرن الماضي.

ومما يعزز المخاوف المذكورة تطورات جديدة في مناطق سيطرة القوات التركية غربي نهر الفرات، كعملية دمج "الجبهة الوطنية للتحرير" بـ"الجيش الوطني السوري" بقيادة وزير دفاع الحكومة المؤقتة سليم إدريس. والتشكيلات العسكرية المذكورة كما الحكومة المؤقتة هي أدوات تابعة للدولة التركية كما هو معروف، تتلقى تعليماتها منها، وتعتاش على رواتبها وتضرب بسيفها في مناطق سيطرتها.

كذلك صدر، في 4 تشرين الأول الحالي، مرسوماً رئاسياً بحكم القانون بإنشاء ثلاث كليات جامعية تتبع إدارياً لجامعة غازي عنتاب، في كل من الباب وإعزاز وعفرين (كلية علوم اقتصادية وإدارية في الأولى، وعلوم الدين في الثانية، وكلية تربية في الثالثة). لتضاف هذه إلى مؤسسات أخرى سبقتها كالبريد وشركات الاتصالات.

أما في شرقي نهر الفرات، فقد تحدث الرئيس أردوغان عن مشروعه الإسكاني بصورة مفصلة أثناء اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، في محاولة لحشد تأييد دولي له. على أرض بطول 450 كلم وعمق 32 كلم أو أكثر، تنوي الحكومة التركية إقامة مجمعات سكنية (قرى وبلدات) تتألف من بيوت محاطة بحدائق (حاكورات لزراعة الخضار) ومدارس وجوامع وأبنية إدارية وخدمية، على أن تستوعب ما بين مليون ومليونين من اللاجئين السوريين الموجودين الآن على الأراضي التركية. وتبلغ كلفة المشروع نحو 37 مليار دولار تأمل القيادة التركية تأمين تمويلها من دول أوروبية وخليجية.

لا يمكن لأي عقل سياسي أن يجد مكاناً لهذا المشروع، ومعه الإجراءات المذكورة أعلاه في غربي الفرات، في الدور الضامن الذي يفترض أن تركيا تقوم به في إطار ثلاثي آستانة. فالهدف المعلن لمسار آستانة هو إنهاء الحرب، بـ "القضاء على الإرهاب" والدخول في عملية سياسية عن طريق تفعيل اللجنة الدستورية، مع "الحفاظ على وحدة سوريا وسيادتها" كما أكد رؤساء روسيا وتركيا وإيران في اجتماعهم الأخير في أنقرة. ويعني ذلك، في نهاية المطاف، مد سيطرة "الحكومة السورية" على كامل الأراضي السورية، كما عبر الروس في أكثر من مناسبة. في حين أن توحيد الفصائل المسلحة المدعومة تركياً في "جيش وطني" بموازاة جيش النظام، وإنشاء كليات جامعية بإدارة تركية في مناطق سيطرة الجيش التركي، وبناء مناطق سكنية لإسكان اللاجئين، هي إجراءات توحي بالبقاء المديد، على رغم التصريحات التركية التي تتحدث عن عدم وجود أطماع لتركيا في الأراضي السورية، وتخلّ بـ "السيادة" العزيزة على قلب بشار الكيماوي وولي أمره بوتين.

بصرف النظر عما إذا كانت تركيا بصدد إلحاق مناطق سيطرتها الحالية والمتوقعة، أم أنها تنوي الانسحاب بعدما تثبت وقائع جديدة على الأرض كالتغيير الديموغرافي الذي يستهدف السكان الكرد، وتأسيس ولاءات اجتماعية بعيدة المدى لدى البيئة العربية السنية، وترسيخ مصالح اقتصادية دائمة، ونشر اللغة والثقافة التركيتين وغيرها من الأعمال "الامبريالية"، يبقى أن كلا الاحتمالين يرتبطان بعوامل موضوعية خارجية تحكم أنقرة، وأعني بها إرادات دول أخرى أهمها الولايات المتحدة وروسيا. لا نعرف ما الذي ستفعله الولايات المتحدة إذا نفذ أردوغان وعيده وتدخلت قواته في منطقة النفوذ الأميركي شرقي نهر الفرات. لكننا نعرف، بالمقابل، أن روسيا التي قد تغض النظر، مؤقتاً، عن العملية العسكرية التركية، ستطالب أنقرة، في حال نجاح العملية، بتسليم تلك الأراضي لـ "الحكومة السورية" بعدما تكون القوات الأميركية قد انسحبت من هناك وفقاً لهذا السيناريو. فلا يمكن أن نتصور تعايش القوات الأميركية والتركية جنباً إلى جنب بعد فرض أنقرة مشروعها الأحادي على واشنطن كأمر واقع.

سابقة "الجبهة الجنوبية" التي سلمها الأميركيون للنظام وروسيا، بعد تهديدات لفظية صاخبة، ربما تشجع أردوغان على خوض هذه المغامرة. ولكن حتى لو انسحبت القوات الأميركية أمام الغزو التركي، فمن المحتمل أن تدفع أنقرة ثمناً باهظاً بانتقال علاقتها مع واشنطن من التوتر إلى القطيعة التامة، والتعرض لعقوبات قاسية لا يتحملها وضعها الاقتصادي الهش. عقوبات سبق وطالب بها الكونغرس رداً على شراء تركيا لمنظومة الصواريخ الروسية إس 400، وأجل ترامب تنفيذها، ربما تضاف إليها إجراءات أخرى إذا نفذت تركيا عمليتها العسكرية الجديدة على رغم اعتراضات واشنطن وتحذيراتها المتكررة.

هذه العملية التي تفتقد لأي تبرير منطقي، بالنظر إلى أن وحدات الحماية لم تشكل يوماً أي تهديد للأمن القومي التركي كما تزعم أنقرة، تستجيب لمتطلبات السياسة الداخلية حيث يخوض أردوغان وحزبه معركة البقاء في السلطة بعد المؤشرات المقلقة التي ظهرت في أعقاب الانتخابات البلدية.

ففي تعبير عن هذا القلق، اقترح الوزير السابق عمر جليك خفض النسبة المطلوبة لفوز أحد المرشحين برئاسة الجمهورية في الجولة الأولى من 50% + صوت واحد، كحد أدنى، إلى 40% + صوت واحد، لكي لا يحتاج الأمر إلى جولة ثانية. صحيح أن أردوغان أعلن، بكل وضوح، أن الحكومة لا تفكر بذلك ولا نوايا لديها من هذا النوع، لكن مجرد طرح الاقتراح يعبر عن مخاوف الحزب الحاكم من احتمال الفشل في الحصول على النسبة المطلوبة من أصوات الناخبين، بعد انقلاب مزاج الناخبين في الانتخابات المحلية، وانتخابات الإعادة في إسطنبول بصورة خاصة. أضف إلى ذلك الأثر السلبي المحتمل لانشقاق مجموعتي علي باباجان وأحمد داوود أوغلو عن حزب العدالة والتنمية، والاختراق السياسي الذي تمثل في تحالف أحزاب المعارضة في مواجهة تحالف السلطة.

وإذا كانت العملية العسكرية المحتملة شرقي نهر الفرات تستجيب للأهواء الإيديولوجية لحزب الحركة القومية بقيادة دولت بهجلي، فمن شأنها أيضاً أن تحيي "الروح القومية" و"الوحدة الوطنية" وتخون كل نقد للعملية كما حدث أيام التدخل العسكري في عفرين في شباط 2018. فغبار المعارك هو أفضل دواء للروح الانشقاقية والاعتراض الاجتماعي كما هو معروف.