كم مرة تلدغ الثورة السورية من جحر واحد؟

صورة أسعد مصطفى

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

الشرق الأوسط
المؤلف: 

تجاوزت الثورة السورية كل الثورات في قدرتها على التضحية والتحدي، وتحقيق انتصارات مذهلة في مواجهة تحالف قوى كبرى مع النظام توهمت كسر إرادة الشعب السوري باعتماد الإبادة وانتهاك الحرمات والتهجير والتدمير. ومع فشلهم وخيبة حيلهم ولكسب الوقت لجأوا إلى مبادرات لم يوفروا غطاء لتطبيقها بسبب تعطيل مجلس الأمن، وعدم التزامه بمسؤولياته القانونية والأخلاقية.
دي ميستورا المبعوث الدولي الخامس يريد وقف القتال في حلب، قلعة الشمال، فيها أكبر التشكيلات العسكرية تماسكا والتزاما ولا يمكن إسقاطها، وهي متصلة مع تركيا التي فتحت قلبها ومرافقها للسوريين وأحاطتهم بحدب واحترام ما عرفوه في وطنهم الأم منذ أكثر من 40 عاما، وحجة المبعوث الدولي البدء من الأسفل بعد أن فشل المجتمع الدولي (أو لم يرد) المعالجة من الأعلى (تغيير النظام) يريد وقف القتال في حلب تمهيدا لوقفه في أماكن أخرى، وإقامة مناطق تدار لا مركزيا لم يفصح عنها، ومن ثم الحوار مع النظام، وبعدها تقاتل المعارضة وجيش النظام معا «داعش» الخطر الوحيد، أما جرائم النظام فهي قتل من نظام طائفي يتلحف بالعلمانية والتقدمية مسموح به.

الغوطة محاصرة وعصية منذ أكثر من عامين ودرعا وإدلب يتقدم رجالها، لا بأس أن يتفرغ النظام لتدميرها تمهيدا لوقف القتال فيها، وخوفا من أن يتصل أبطال الغوطة الذين يخترقون حصارهم من الداخل بثوار درعا وثوار القلمون وينهار النظام المفكك الذي يعيش أسوأ أيامه داخليا وهو يسوق شباب الطائفة إلى الموت دفاعا عنه، وخارجيا وقد رأى الحلفاء عمق مأزقهم معه، وبقية المناطق تترك للقصف والاعتقال كل يوم.

دي ميستورا الذي يتمثل وضوح مشروعه في إبهامه، ولم يتطرق لرأس النظام والجيش والأمن، يجب أن يسأل ما هو مشروعه السياسي للتغيير، وأفقه الزمني، ماذا عن مقررات جنيف 1 التي أقرها مجلس الأمن، ووافقت عليها مجموعة أصدقاء الشعب السوري، ولماذا لم يعاقب من دفن جنيف 2 بدل تقديم مبادرات جديدة تكافئه لأنه ثبت على إجرامه؟
بوغدانوف على التوازي يصرح من لبنان الذي يحج إليه دوريا بأن المطلوب الآن حوار سوري - سوري غير رسمي دون شروط مسبقة (على الطريقة الإسرائيلية). يقولون روسيا غيرت موقفها وبوغدانوف يكذب ذلك علنا.

النظام أفشل مهمة 4 مبعوثين دوليين وعرب حتى الآن بحوارات خادعة.
فاروق الشرع ممثل النظام قال عن المفاوضات بداية الثورة مع ما يسمى بمعارضة الداخل إن نجاحها 5 في المائة تجاوزا. النظام لا يعرف المفاوضات إلا لتمرير مرحلة وهو لا عهد له ولا ذمة وهذه عقيدته السياسية المخادعة التي رسخها مؤسس النظام الطاغية الأب.
بعد الدابي ومود وأنان والإبراهيمي ألا يجب أن نسال أنفسنا كم مرة يجب أن تلدغ الثورة السورية من جحر واحد.

هناك مجموعة من الحقائق لا يمكن القفز فوقها؛ أولاها أن الثورة السورية التي قدمت حتى الآن نصف مليون شهيد وأكثر منهم من المصابين والمفقودين والمعتقلين وأكثر من 14 مليون من المهجرين ووطنا دمر أكثر من نصفه لا يمكن أن تتوقف قبل تحرير سوريا من النظام المجرم ورغم محاولات الحصار والتفتيت، ولن يستطيع العالم كله أن يهزم الثورة السورية. وثانيها أن القبول بمشاريع جزئية والحوار مع النظام جعلا البعض من أنصار الثورة يعيدون حساباتهم، وثالثها ليس هناك عاقل في المعارضة يعتقد أن إدارة أوباما بخلاف رأي كبار مسؤوليها ورجالات الحزب الجمهوري وبالتناغم مع روسيا ستبادر بعمل جدي لإنهاء معاناة السوريين وتحقيق حريتهم ما لم تفرض الثورة واقعا يلزمهم بذلك. ورابعها أن القضاء على الإرهاب دون تغيير النظام سوف يخلق إرهابا أعتى لنظام أتقن استخدام هذه التنظيمات والكل يذكر «فتح الإسلام» وصاحبه شاكر العبسي في لبنان، وأن أي حلول تقفز فوق أهداف الثورة وتتجاهل ذوي الشهداء والجرحى والمغتصبات محكوم عليها بالزوال مع أصحابها.

إن البديل الموضوعي والملح يتمثل بدعم الثوار على الأرض وتوحيد التشكيلات المقاتلة لمحاربة النظام و«داعش»، وليس لأي هدف آخر، والتمسك بالمنطقة العازلة والآمنة التي تصر عليها تركيا، والتنسيق مع الدول الشقيقة والصديقة التي تقف مع الثورة منذ انطلاقتها لفرضها وهي مطلب الثورة منذ 3 سنوات، وإحياء فكرة عقد مؤتمر وطني نادت به شخصيات معارضة قبل جنيف 2، وأن يتولى الائتلاف الدعوة لعقد المؤتمر بمشاركة كافة مكونات المعارضة المدنية والعسكرية للاتفاق على مشروع وبرنامج واحد يتمسك به الجميع ويوحد المواقف التي ستفرض احترام العالم المفقود في مرحلة هي الأخطر حتى الآن.

لنتذكر دوما أن حلفاء النظام لم يسمحوا له بالتراجع خطوة واحدة عن مواقفه وجرائمه في ظل انتصارات الثورة التي هددت مواقعه على امتداد الأرض السورية فكيف له أن يوافق على الرحيل بعد توقيف القتال معه ومحاورته كشريك في ظل رعاية دولية، من يضمن من؟!