كيري: "تنازلات" الأسد

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

2018-09-06
العربي الجديد
المؤلف: 

ليس في أرشيف مبادرة السلام العربية التي أقرّتها قمّة بيروت في العام 2002 أن رئيس سورية، بشّار الأسد، اعترض عليها، أو أعلن تحفّظاً على شيءٍ فيها، وهي التي تقول بعلاقاتٍ طبيعيةٍ بين الدول العربية وإسرائيل، في مقابل انسحاب الأخيرة من الأراضي الفلسطينية والسورية واللبنانية التي تحتلّها.

ويفيدُ أرشيف المفاوضات السورية الإسرائيلية، وخصوصاً في ميريلاند وشيبردزتاون في الولايات المتحدة برعاية أميركية (العام 2000)، بأن تقدّماً كبيراً عرفته مفاوضات لجان القضايا الثلاث، علاقات السلام العادية (التطبيع) والمياه والترتيبات الأمنية، فيما كانت اللجنة الخاصة بترسيم الحدود تشهد الإشكال الكبير الذي كانت إسرائيل فيه على درجةٍ عاليةٍ من الممانعة، فلم تقبل الانسحاب الكامل من هضبة الجولان المحتلة.

ومشهورةٌ قصة فشل قمة حافظ الأسد وبيل كلينتون في جنيف (مارس/ آذار 2000)، بسبب قبول رئيس وزراء إسرائيل، في حينه، إيهود باراك، إعادة الجولان، باستثناء شريطٍ عرضُه خمسمائة متر، في محاذاة بحيرة طبريا، وشريط عرضُه ثمانون ياردة في محاذاة الضفة الشرقية لنهر الأردن. وليس منسيّاً أن بشّار الأسد أعلن لاحقاً، غير مرّة، رغبتَه في استئناف المفاوضات مع إسرائيل "من النقطة التي توقّفت عندها"، وأوضح في مقابلةٍ مع صحيفة نيويورك تايمز، في العام 2010، إن ذلك "للتوّصّل إلى أفضل النتائج في أقصر وقت، خصوصاً أننا اتفقنا على 80% من نقاط عملية السلام". 

المعنى من هذه النّتف المُستدعاة من وقائع غير بعيدةٍ أن نظام الأسديْن، الأب وابنه، في سورية لا يستحقّ وصفه ممانعاً، إذ أبلغ إسرائيل استعداده التام لفتح سفارة لها في دمشق إذا أعادت الجولان كاملةً، فيما الممانعة صفةُ الحكومات الإسرائيلية، تولّى رئاستَها عمّاليٌّ اسمُه إيهود باراك أو ليكوديٌّ اسمه بنيامين نتنياهو، عندما تتمسّك بالبقاء في هضبة الجولان أو شيءٍ منها، وتُقدّم هذا الأمر على علاقاتٍ عاديةٍ مع سورية.

مناسبة استدعاء هذه الحقائق والوقائع أن وزير الخارجية الأميركي الأسبق، جون كيري، يكتب في مذكّراته، قيد النشر في هذه الأيام، أنه لمّا كان رئيساً للجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، في العام 2010 التقى بشّار الأسد، وتسلّم منه "رسالةً شخصيةً" إلى الرئيس الأميركي، في حينه، باراك أوباما، تتضمّن استعداده لاعترافٍ كامل بإسرائيل، وفتح سفارتين متبادلتين في دمشق وتل أبيب، وخطواتٍ أخرى، ضمن ما يسمّيها كيري "تنازلاتٍ واسعة"، في مقابل استعادة سورية هضبة الجولان. وبادر السيناتور، والوزير لاحقاً، إلى السفر إلى نتنياهو، وأطلعه على الرسالة (قبل أن يقرأها أوباما!)، ففوجئ رئيس الوزراء الإسرائيلي من استعداد الأسد إلى الذهاب أكثر بعداً مما كانت دمشق قد ذهبت إليه في جولات تفاوضٍ سابقة.

ربما تزيّد كيري في إشارته إلى "مفاجأة" نتنياهو هذه، أو أن الأخير مسّه شيءٌ من الاندهاش من مقادير التزلّف الذي يُزجيه الأسد تجاه الولايات المتحدة، عبر استرضاء إسرائيل بتطبيعٍ وسفارةٍ وما إلى ذلك من مظاهر علاقاتٍ عادية، لم يُبدِ الأسد الأب أي ممانعةٍ في أي تفصيل بشأنها، على أن يجدّ الجدّ، وتعود هضبة الجولان التي احتلت كاملةً إبّان كان المذكور وزيراً للدفاع في حرب يونيو/ حزيران 1967.

وبذلك، لم يفاجئ جون كيري أحداً ممن تابعوا المداولات السورية الإسرائيلية، منذ اتفاقية سعسع الموقّعة في جنيف في مايو/ أيار 1974، مروراً بالموافقة على مبادرة الأمير فهد في 1981، وصولاً إلى ما استحقّت تسميتَها "نبوءة رامي مخلوف"، في مايو/ أيار 2011، أي أسابيع بعد اشتعال انتفاضة السوريين، "إذا لم يكن هناك استقرارٌ في سورية، لن يكونهناك استقرارٌ في إسرائيل. لا أحد يستطيع أن يضمن أمن إسرائيل إذا حصل شيءٌ لهذا النظام"، حرفيّاً كما قال الرجل (لصحيفة نيويورك تايمز أيضاً!). 
ليس ثمّة مفاجأة، مستر كيري، فالأثر يدلّ على المسير، كما قال أعرابيٌّ قديم.

تعليقات