كيف جاعت سورية في الحرب العالمية الأولى؟

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

6/2/2016
السورية نت
المؤلف: 

كانت سورية منذ القديم أرض الخير والبركة، تفيض فيها الغلال والثمار من كل الأنواع، وكانت دمشق درتها الثمينة والتي قال فيها ياقوت الحموي: "ما وُصفت الجنة بشيء إلا في دمشق مثله"([i]).

لم يعاني السوريون من الجوع في التاريخ، وقد كانت بلادهم تلقب بـ"أنبار روما"، أي مستودع غذاء الإمبراطورية الرومانية، إلا في عهد جمال باشا السفاح([ii])، وذلك خلال الأعوام 1914 ـ 1918م، وحديثاً في عهد دكتاتور سورية بشار الأسد.

في عام 1914م، كانت الحرب العالمية الأولى قد بدأت، ودخلت فيها تركيا الاتحادية إلى جانب ألمانيا ضد الحلفاء، وعمدت الحكومة التركية إلى سحب الرجال للقتال، وصادرت الحيوانات، فقلّت اليد العاملة ونقصت مساحة الأرض المزروعة بنسبة وصلت لـ40 بالمئة، وتجاوز النقص في الإنتاج الزراعي أكثر من 25 بالمئة، في موسم1914 ــــ 1915م وحده، هذا عدا عن مصادرة المواد الغذائية، وخاصة القمح، لإطعام الجيش، فأخذت أسعاره ترتفع بشكل كبير، وزادت معه أسعار جميع السلع الأخرى([iii]).

وزاد من سوء الأحوال هجوم الجراد على أجزاء واسعة من سورية، في إبريل/ نيسان سنة 1915م، حيث أكلت أسراب الجراد المحاصيل، وقضت على كل الزرع، ولم تشهد سورية مثيلا ً لتلك الأعداد من الجراد منذ أربعين سنة سابقة لذلك التاريخ، وقد حطت أسرابها على بيروت دمشق وحلب ودير الزور وأضنة([iv]).

ولم تبدأ سنة 1916 إلا وقد عم الجوع سورية، بعد أن قضى الحر الذي شهدته تلك السنة على ما تبقى من زرع نجا من الجراد.

وتزامنت تلك العوامل الجوية والإدارية التي اتبعها جمال باشا والتي أدت إلى تلك المجاعة، مع قيام السفن الحربية العائدة لفرنسا وانكلترا بمحاصرة شواطئ سورية وفلسطين ولبنان، لتمنع دخول الإمدادات والمؤن بكافة أشكالها إلى القوات العثمانية فانعكست آثار ذلك الحصار الغاشم على الشعب السوري، حتى سميت تلك السنة بـ"سنة الجوع".

ويصف الشيخ علي الطنطاوي حال الدمشقيين وما عانوه من جوع في تلك الفترة قائلاً: "ثم رأينا الناس (ونحن في طريقنا إلى المدرسة) ينبشون أكوام القمامة، لعلهم يجدون بقايا طعام. وعز السكر حتى صارت الأوقية (200 غرام) بريال مجيدي، وقد كان المجيدي قبل الحرب يكفي لوليمة ضخمة، أي أن الكيلو بليرة (أي بجنيه) ذهبي. وقلّ الكاز (البترول)، وفُقدت أشياء كثيرة مما كنا نستورده. وما كان منه عند التجار، قبضوا عليه أيديهم، وأخفوه في مستودعاتهم، وكانت أيام شداد"([v]).

فإذا كانت دمشق أرض الخير والثمار في وضع كهذا، فهذا يعني أن غيرها من المناطق لم يكن أحسن حالاً، وراح الناس يأكلون الأعشاب، وورق الشجر، ويطحنون ما يمكن طحنه لخبزه وأكله، ومات خلق كثير من الجوع والمرض في جميع أنحاء سورية.

وكتبت جريدة التايمز اللندنية في 15سبتمبر/ أيلول 1916 عن المجاعة قائلة: "وقد رأينا النساء والأطفال على جوانب الشوارع بأعين مغمضة ووجوه شاحبة، ومن الطبيعي أن نرى الناس يفتشون في قمم الزبالة عن قشر البرتقال والعظام القديمة، والنفايات الأخرى، وكانوا يأكلونها بشراهة، إذا وجدوها، وفي كل مكان نرى نساءً يبحثن عن أعشاب للأكل على جوانب الطرق"([vi]).

وفي تلك السنوات العجاف فقدت سورية عُشر سكانها، أي ما يعادل 300 ألف نسمة جراء المرض والجوع والحرب([vii]).

وبعد مائة عام على "سنة الجوع" تعيش مناطق في سورية جوعاً من نوع آخر، رغم وجود الطعام، جوع المناطق المحاصرة التي يمنع عنها بشار الأسد الطعام، كما منع جمال باشا القمح عن مناطق جبل لبنان. وتصادر قواته ما يمكن أن يدخل إلى تلك المناطق من طعام، كما كانت قوات جمال باشا تصادر المواد الغذائية من السوريين. وكل يوم يموت سوريون من الجوع ومن المرض ومن الحرب، ولا تقوم دول العالم إلا بما قامت به قوات الحلفاء في الحرب العالمية، أي بحصار السوريين داخل سورية، ومن كل الجهات، وتركهم عرضة للموت بالقصف والجوع. فلا نامت أعين الجبناء.

____________________________________________________________________________

[i] ـ ياقوت الحموي، معجم البلدان، ج3، ص 741.

2 ـ أحمد جمال باشا القائد التّركي الشّهير بالسّفاح، وبالدّاغستاني، وبالكبير. ومن مواليد 1288 / 1872. تولّى حكم دمشق بين عامي 1914ـ 1918مو، اعتمد على الإرهاب والبطش، وفي عام 1921م قتله في مدينة تفليس أرمني، انتقاماً لأبناء قومه، يدعى اسطفان زاغكيان؛ انظر، أدهم الجندي، شهداء الحرب العالميّة الكبرى، ص 222.

[iii]  ـ للتوسع: راجع علي سلطان، تاريخ سورية (1908 ـ 1918).

[iv]  ـ المرجع السابق نفسه.

[v]  ـ علي الطنطاوي، ذكريات علي الطنطاوي، ج1، ص 39.

[vi]  ـ نقلاً عن علي سلطان، تاريخ سورية (1908 ـ 1918).

[vii]  ـ محمد كرد علي، خطط الشام، ج3، ص 133.

تعليقات