كيف سيقوي الاتفاق الروسي الأمريكي النصرة وداعش في سورية؟

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

25/2/2016
السورية نت

يهدف الاتفاق الذي توصلت إليه الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا بشأن وقف إطلاق النار في سورية إلى ما هو أبعد من "وقف الأعمال العدائية" والدفع نحو العملية السياسية، حسب قولهما، إذ تنذر صيغة الاتفاق الحالية بوضع أسوأ سيصيب المعارضة لا سيما شقها العسكري في حال طبق "وقف الأعمال العدائية" أو وقف إطلاق النار وفق الرؤية الروسية الأمريكية.

ويستثني الاتفاق كلاً من "جبهة النصرة" وداعش وغيرهما من "المنظمات الإرهابية" الأخرى التي لا توجد آلية واضحة لتحديدها، فيما سيغدو بمأمن كل من يقبل ببنود الاتفاق. وفيما يؤكد الجانبان وغيرهما من الدول الأوروبية أن الاتفاق سيؤدي إلى تقليل معاناة الشعب السوري وتصويره على أنه مفيد للمعارضة والنظام على حد سواء، إلا أنه من ناحية أخرى قد يعود بنتائج مدمرة على المعارضة بشكل خاص وبما يصب في مصلحة النظام بذات الوقت.

سيطبق "وقف الأعمال العدائية" في الساعة 00:00 من يوم 27 فبراير/ شباط الجاري، وسيواصل طيران النظام وروسيا والتحالف الدولي استهداف كل من لم يقبل ببنود الاتفاق، كما ستكون "النصرة" وداعش تحت الضرب أيضاً، وبغض النظر إذا ما أعربت المعارضة السورية عن رفضها استهداف "النصرة" أو موافقتها على ذلك، إلا أن استثناءها من القصف سيؤدي إلى نتائج سلبية على كل المناطق التي تتواجد فيها "النصرة" من جهة، ومن جهة أخرى قد يؤدي ذلك إلى تغيير سريع وواضح في بنية فصائل المعارضة "المعتدلة" لصالح كل من "النصرة" وأيضاً داعش.

ويكمن خطر اتفاق "وقف الأعمال العدائية" حسبما يرى معارضون، في أنه سيحدث شرخاً واضحاً في صفوف قوات المعارضة، قد يؤدي إلى مزيد من التشرذم واشتعال اقتتال بينها، وقد تصل الخلافات إلى حد إطلاق الأحكام الشرعية كـ تكفير الآخر، واستخدام العواطف الدينية كوسيلة لجذب الأطراف الأخرى (التي قبلت ببنود الاتفاق) إلى الطرف الذي استثني من الاستهداف.

وتعتبر علاقة "النصرة" مع فصائل المعارضة الأخرى متشابكة وتتدرج من التنسيق العالي إلى مشاركة الجبهات، وذلك على الرغم من احتجاج المعارضة على "النصرة" لكونها ترفض فك الارتباط مع "تنظيم القاعدة"، إلا أن كثرة الأعداء الذين يستهدفون فصائل المعارضة "المعتدلة" و"النصرة" جعلتهما في حاجة إلى توحيد الجهود على الأقل عندما يتعرضان سوياً لهجوم بالطيران والقوات البرية.

ويكمن خطر اتفاق "وقف الأعمال العدائية" حسبما يرى معارضون، في أنه سيحدث شرخاً واضحاً في صفوف قوات المعارضة، قد يؤدي إلى مزيد من التشرذم واشتعال اقتتال بينها، وقد تصل الخلافات إلى حد إطلاق الأحكام الشرعية كـ تكفير الآخر، واستخدام العواطف الدينية كوسيلة لجذب الأطراف الأخرى (التي قبلت ببنود الاتفاق) إلى الطرف الذي استثني من الاستهداف.

وقد يفتح قبول الفصائل وقف إطلاق النار الباب واسعاً أمام دور كبير لكل من "النصرة" وداعش على حد سواء لضم أعداد كبيرة من المقاتلين لصفوفهما، إذ سيلعب الطرفان على أوتار تتعلق بالدين كما سيعززان صفوفهما انطلاقاً من "الشعور بالمظلومية"، وإظهار نفسيهما على أنهما "الجهتان الوحيدتان" في سورية اللتان تقفان في وجه الاحتلال الروسي، ونظام الأسد والميليشيات المساندة لهما. وقد أثبت التنظيمان قدرتهما على اتباع مثل هذه الأساليب في التجييش واستقطاب الآخرين، لا سيما المقاتلين الذين يكمن همهم الأول في حماية عائلاتهم من الذبح أو الاغتصاب.

ويبدو أن روسيا استطاعت أن تفرض رؤيتها على واشنطن باختيارها عبارة استهداف "المنظمات الإرهابية" الأخرى، دون أن يكون هناك تحديد واضح لهذه المنظمات، وهو ما يعني أنه سيكون لدى روسيا والأسد ذريعة جاهزة دائماً لقصف المدنيين والمرافق العامة وفصائل المعارضة الأخرى تحت حجة وجود تنظيمات إرهابية، أو احتضان تلك المناطق لـ"النصرة" في مناطقها. سيما وأن اعتداء روسيا والنظام على المدنيين وخرقهما للهدنة لن يستجوب أي عقاب لهما لكون روسيا "الحكم والخصم في آن واحد".

ونظراً لكون "النصرة" تضم أعداداً كبيرة من الشباب السوريين وكثير منهم انضم لها للدفاع عن أهله، ونظراً لكون المناطق التي تتواجد فيها "النصرة" يسود فيها منطق العشائرية و"الفزعات"، فإن قبول بعض مقاتلي المعارضة بوقف إطلاق النار، وفي ذات الوقت استمرار استهداف "النصرة" وبقية التنظيمات التي ستعد إرهابية سيؤدي إلى فقدان الثقة بين الطرفين، أو اتخاذ المقاتلين قراراً بالانضمام لـ"النصرة" أو داعش لكونهم يرفضون قرارات قادتهم في قبول الاتفاق الروسي الأمريكي.

وستعظّم الضغوط التي ستمارسها واشنطن من دوافع الكثير من مقاتلي المعارضة للانضمام إلى "النصرة" وداعش حتى لو كانا متطرفان. فمن المتوقع أن تضغط واشنطن على الدول التي تدعم المعارضة لقطع الدعم عنها، كما أن واشنطن نفسها ستقطع دعمها للمعارضة لإجبارها على الخضوع للاتفاق الروسي الأمريكي، وحينها سيجد المقاتل السوري المعارض نفسه أمام 3 خيارات، إما القبول باتفاق يلغي مطالبه، أو البقاء تحت خطر الصواريخ والمدافع، أو الانتقال إلى جهات تملك سلاحاً ولا تتأثر بقطع الدعم والحديث هنا عن "النصرة" وداعش، وغالباً ما سيمضي المقاتل في الخيار الثالث لكون المعركة معركة وجود.

وستؤدي هذه النتيجة فيما لو أصبحت أمراً واقعاً إلى تغيير معادلة المواجهة في سورية، وتحولها من وجود فصائل معارضة هدفها الأول قتال النظام ودحر القوات الروسية والإيرانية، إلى فصائل تتقاتل فيما بينها وتنهي بعضها بأسلحتها، وحينها لن يكون دور نظام الأسد وحلفائه إلا تعزيز هذا الخلاف بين الفصائل عبر تكثيف القصف على المناطق التي تتواجد فيها "النصرة" أو غيرها من المنظمات التي ستعتبر إرهابية، وبالتالي إيهام الرأي العام المحلي في أن "النصرة" ومثيلاتها سبب في جر الويلات على المدن السورية.

وفيما لو كتب لوقف إطلاق النار فرصة للنجاح واستمر لفترة أطول مع رفع وتيرة استهداف المناطق التي تتواجد فيها "النصرة" وداعش ومنظمات أخرى، فمن غير المستبعد أن تقرر الجهات المستهدفة الانضمام لبعضها وتوحيد جهودها وتمركزها في مناطق محددة من أجل البقاء، وحينها ستشهد سورية منطقتين، الأولى تعتبرها الدول الغربية والنظام منطقة تضم الإرهابين والمتطرفين وستشهد أعنف أنواع القصف، ومنطقة أخرى تعيش بعيداً عن النيران مقابل ركونها وعدم اقترابها من جبهات النظام أو أحد من حلفائه.

وستفضي هذه النتيجة إلى إعادة تأهيل الأسد وتعزيز ادعاءاته وادعاء حلفائه في أن ما يجري بسورية "حرب على الإرهاب" وليس ثورة شعبية تطالب بإنهاء حكم نظام ظالم، وسيصبح الأسد في نظر العالم "قائداً شرعياً" راغباً في قتال المتطرفين والإرهابين، فيما ستختزل المعارضة في الجهات التي رفضت الانصياع لوقف إطلاق النار أو التي استثنيت من وقف الاستهداف، أي معارضة "متطرفة" ينبغي القضاء عليها ولو اضطر العالم للتعاون مع الأسد لتحقيق ذلك.

تعليقات