كيف غذت الولايات المتحدة صعود داعش في سورية والعراق؟

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

5/6/2015
The Guardian
المؤلف: 

(ترجمة السورية نت)

الحرب على الإرهاب، تلك الحملة التي ليس لها نهاية والتي أطلقت قبل 14 عاماً من قبل جورج بوش، تشابك نفسها بمنحنيات تزداد غرابة باستمرار. في يوم الاثنين انهارت محاكمة في لندن لرجل سويدي اتهم بالإرهاب في سورية بعد أن اتضح أن المخابرات البريطانية كانت تقوم بتسليح جماعات الثوار ذاتها التي اتهم المدعى عليه بدعمها.

الادعاء تخلى عن القضية، على ما يبدو لتجنب إحراج المخابرات. جادل الدفاع بأن الاستمرار بالمحاكمة سيكون "إهانة للعدالة" بينما توفرت أدلة كثيرة على قيام الحكومة البريطانية بنفسها بتقديم "دعم مكثف" للمعارضة السورية المسلحة.

لم يتضمن ذلك فقط "المساعدات غير المميتة" التي تفاخرت بها الحكومة (بما فيها الدروع والمركبات العسكرية)، ولكن التدريب، والدعم اللوجستي والإمداد السري "للأسلحة بنطاق واسع". استشهدت التقارير بأن وكالة استخبارات البريطانية تعاونت مع وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية لنقل الأسلحة من المخازن الليبية إلى الثوار السوريين في عام 2012 بعد سقوط نظام القذافي.

من الواضح أن سخافة إرسال أحدهم للسجن لقيامه بما كان يقوم به الوزراء ومسؤولي الأمن قد فاقت الحد. ولكنها الحادثة الأخيرة فقط من سلسلة هذه القضايا. كان سائق التكسي اللندني أنيس سردار أسوأ حظاً فقد تلقى حكماً للسجن مدى الحياة قبل أسبوعين لمساهمته في مقاومة عام 2007 لاحتلال العراق من قبل القوى الأمريكية والبريطانية. المعارضة المسلحة للغزو غير القانوني والاحتلال من الواضح أنها لا تعد إرهاباً أو قتلاً وفق أغلب التعاريف، بما فيها تعريف معاهدة جنيف.

ولكن الإرهاب مباشر الآن في عيني الناظر. وهذا أكثر ما يكون في الشرق الأوسط، حيث أن إرهابيي اليوم هم محاربو الغد ضد الطغيان – والحلفاء أعداء – غالباً وفق النزوات المحيرة لمؤتمرات مشرعي القرارات الغربيين.

في العام السابق عادت الولايات المتحدة وبريطانيا وقوى غربية أخرى إلى العراق، بدعوى تدمير الجماعة الإرهابية شديدة الطائفية التي تدعى "بالدولة الإسلامية" (والتي كانت تعرف سابقاً بالقاعدة في العراق). حصل هذا بعد أن اجتاحت داعش أقساماً كبيرة من الأراضي العراقية والسورية وأعلنت نفسها كخلافة إسلامية.

إن الحملة لا تسير بشكل جيد. الشهر الفائت، دخلت داعش إلى مدينة الرمادي العراقية، بينما قامت قواتها في الجانب الآخر من الحدود غير الموجودة حالياً بغزو مدينة تدمر السورية. بينما كان الفرع الرسمي للقاعدة، جبهة النصرة، يقوم أيضاً بتحقيق مكاسب في سورية.

اشتكى بعض العراقيين من أن الولايات المتحدة وقفت مكتوفة الأيدي بينما كان يجري كل ذلك. يصر الأمريكيون على أنهم يحاولون تجنب إلحاق خسائر بين المدنيين، ويزعمون تحقيق نجاحات هامة. بشكل خاص، يقول المسؤولون إنهم لا يريدون القيام بقصف المعاقل السنية خلال حرب طائفية والمخاطرة بإزعاج حلفائهم السنة في الخليج.

لقد تم تسليط ضوء كاشف أبدى لنا كيف وصلنا إلى هذا الوضع من قبل تقرير تم نشره حديثاً من قبل وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، كتب في آب من عام 2012، والذي يتنبئ بشكل غريب – ويرحب واقعياً – باحتمال ظهور "إمارة سلفية" في شرق سورية ودولة إسلامية تتحكم بها القاعدة في سورية والعراق. بتعارض تام مع الادعاءات الغربية حينها، فإن الوثيقة التابعة لوكالة استخبارات الدفاع الأمريكية تعرف القاعدة في العراق (التي أصبحت داعش) ومن معها من الاشقاء السلفيين "القوى الرئيسية التي تقود الثورة في سورية" – وتصرح بأن "الدول الغربية، ودول الخليج وتركيا" كانت تدعم جهود المعارضة للسيطرة على شرق سورية.

مما زاد من "احتمال إنشاء إمارة سلفية معلنة أو غير معلنة"، ويتابع تقرير البنتاغون، "هذا تماماً ما تريده القوى الداعمة للمعارضة، لتعزل النظام السوري، الذي يعتبر العمق الاستراتيجي للتمدد الشيعي (العراق وإيران)".

وهذا تماماً ما حدث بعد عامين. إن التقرير ليس وثيقة سياسية. إنه مختصر بشكل كبير وفيه غموض. ولكن آثاره واضحة بما فيه الكفاية. بعد عام من بدء الثورة السورية لم تكن الولايات المتحدة وحلفاؤها يقومون فقط بدعم وتسليح المعارضة التي علموا بأن الجماعات الطائفية المتطرفة تهيمن عليها. بل كانوا مستعدين لتشجيع إنشاء "دولة إسلامية" ما – على الرغم من "الخطر الشديد" الذي تمثله لوحدة العراق – كعازل سني لإضعاف سورية.

ذلك لا يعني أن الولايات المتحدة أنشأت داعش، بالطبع، على الرغم من أن بعض حلفائها في الخليج ساهموا بالتأكيد في ذلك – كما اعترف نائب الرئيس الأمريكي جوي بيدن العام الفائت. ولكن لم يكن هنالك جماعة للقاعدة في العراق إلى أن غزته الولايات المتحدة وبريطانيا. وقد استغلت الولايات المتحدة بالتأكيد وجود داعش ضد قوات أخرى في المنطقة كجزء من سعي أوسع للحفاظ على السيطرة الغربية.

تغيرت الحسابات عندما بدأت داعش بقطع رؤوس الغربيين وعرض فظائعها على الإنترنت، وإن دول الخليج تدعم الآن جماعات أخرى في الحرب السورية، مثل جبهة النصرة. ولكن هذه العادة الأمريكية والغربية لاستخدام الجماعات الجهادية، التي تعود لاحقاً لإيذائهم، تعود على الأقل لحرب الثمانينات ضد الاتحاد السوفيتي في أفغانستان، التي رعت القاعدة الأصلية تحت وصاية وكالة الاستخبارات المركزية.

وقد تم إعادة ضبطها خلال احتلال العراق، عندما رعت القوات الأمريكية بقيادة الجنرال باتريوس حرباً قذرة من فرق الموت الطائفية الشبيهة بما جرى في السلفادور لإضعاف المقاومة العراقية. وقد تم تكرارها في الحرب التي أدارها الناتو في ليبيا، حيث سيطرت داعش الأسبوع الفائت على مدينة سرت مسقط رأس القذافي.

في الواقع، إن السياسة الأمريكية والغربية في المحرقة التي تمثل الشرق الأوسط الآن هي التجسيد الكلاسيكي للقانون الاستبدادي "فرق تسد". تقصف القوات الأمريكية مجموعة من الثوار بينما تقوم بدعم غيرها في سورية، وتشن ما هي في الواقع عمليات عسكرية مشتركة مع إيران ضد داعش في العراق بينما تقوم بدعم الحملة العسكرية الخاصة بالمملكة العربية السعودية ضد القوات الحوثية التي تدعمها إيران في اليمن. مهما كانت السياسة الأمريكية مرتبكة في الغالب، إلا أن دول العراق وسورية الضعيفة والمقسمة تلائم هذا النهج بشكل تام.

الواضح هو أن داعش ومسوخها لن تهزم من قبل القوى ذاتها التي أدخلتها إلى العراق وسورية في المقام الأول، أو التي أدت خياراتها الحربية العلنية والسرية برعايتها بعد ذلك. إن التدخلات العسكرية الغربية التي لا تنتهي في الشرق الأوسط لم تجلب سوى الدمار والانقسام. إن شعب المنطقة هم من يستطيعون شفاء المرض – لا من قاموا بحقن الفيروس.

تعليقات