كيف نجعل ثورتنا واضحة ..? "الطبقة الوسطى" في الوطن العربي وصناعة التغيير (1-1)

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

24/10/2015
السورية نت
المؤلف: 

إن الهبوط المستمر لمستويات المعيشة، وتعاظم مناحي العوز، وارتفاع معدلات البطالة وما يترافق ذلك مع تهديد اجتماعي واضح للدول والمجتمعات من الداخل، كل ذلك يدفع بالضرورة لزيادة الاهتمام أكثر بالفئات الوسطى، لما لها من دور متنامي ومهم في تعزيز البناء الاجتماعي، والتي يعد انحسارها وتآكلها بمقابل تنامي وتعاظم دور الطبقات الدنيا وشرائحها مؤشر غير جيد يفرضه اختلال التوازن الاجتماعي وانعدام التكافؤ الاقتصادي في توزيع الموارد، ولما يؤديه ذلك من انعكاس سلبي واضح على الاستقرار الاقتصادي ومن ثم السياسي في المجتمع. فكلما اتسع حجم الطبقة الوسطى وتنامي دورها كلما أعطى المجتمع مقومات متينة لبناء مجتمع أكثر أمناً واستقراراً.

وما يتخبط به وطننا العربي اليوم من فوضى هي الأعنف والأسواء بتاريخ أمتنا يعزى في كثير من جوانبه إلى الاختلالات الاجتماعية التي تعمقت على مدى عقود من الزمن بفعل الخلل السياسي الرسمي، ولتهميش واضح ومتعمد مارسته الأنظمة الرسمية العربية فأصبحت نسبة الفقر مقلقة بفعل سياسة التكبيل والافقار المتعمد لقدراته ونخبه البشرية. الأمر الذي جعل معدلات التنمية العربية خلال العقد الأخير أقل من المتوسط العالمي، بل أقل من دخل دولة أوروبية واحدة كإسبانية التي بلغ انتاجها المحلي الاجمالي 595،5 بليون دولار أمريكي وفق ما ذكر تقرير التنمية الإنسانية العربية لعام 2002، في حين بلغ الناتج المحلي الإجمالي لبلدان الوطن العربي مجتمعة ما مقداره 531،2 بليون دولار.

نظرة في المفهوم

كثيراً ما تغير الطبقة الوسطى من أماكن تواجدها في المجتمع، فهي ليست ثابتة بالقدر الذي يدفعنا بسهولة للإشارة إليها بإصبعنا لمرة واحدة، حتى أنها أحياناً كثيرة ما تنتقل من موقع لآخر مغاير تماماً لأيديولوجيتها ولتوجهاتها السياسية وحتى الثقافية، وهذا التنقل المستمر يفرضه تغير الواقع المحلي المعاش لأفراد هذه الطبقة، كما تحدده وتصوغه في كثير من الأحيان التغيرات والتقلبات المجتمعية الحاصلة في كل مجتمع سواء كانت تقلبات سياسية أم اقتصادية. وذلك لما تتمتع به الطبقة الوسطى من تعقيدات، إذ هي أفضل حالاً من الناحية الاقتصادية من الطبقة الدنيا وأكثر تقبلاً للتغيير والتجديد وأقل تمسكاً بالعادات والتقاليد من الطبقة العليا. لهذا لا يمكن وضع وإيجاد تعريف دقيق يجمع عليه الباحثين ويحدد مفهوم هذه الطبقة الاجتماعية.

حيث أن معايير التمييز بين الطبقات أو الفئات الثلاثة (الدنيا -الوسطى -العليا) سمها ما شئت يتوقف على مستوى التكوين الفكري والثقافي بالإضافة لمستوى الدخل الاقتصادي للأفراد. فالحدود الفاصلة بين هذه الفئات ليست حدود جغرافية تمليها التقسيمات الإدارية في الدولة أو سياسية أو وراثية أو قبلية أو حتى دينية تحددها الولاءات الحزبية أو العشائرية بقدر ما هي تتعلق بالذهنية المجتمعية وكيف ينظر أفراد هذه الفئة أو تلك تجاه القضايا الأساسية التي تحيط بمجتمعهم.

 فتاريخياً تعود جذور هذه الطبقة في الفكر الغربي إلى القرن التاسع عشر وظهور الطبقات التي كانت تعمل في المهن الحرة والحرف والتجارة في القرى الكبيرة، والتي لعبت دوراً واضحاً في القضاء على النظام الإقطاعي وبناء النظام الرأسمالي.

وتتكون وفق ما يرى "مورو برجر" من مجموعتين أساسيتين "الأولى تشمل التجار وأصحاب المصانع الصغيرة ومن يعملون لحسابهم والذين لا يؤهلهم دخلهم ولا قوتهم لأن ينضموا لذوي النفوذ والجاه في الحياة السياسية والاقتصادية، في حين المجموعة الثانية تحتوي جماعات مختلطة تضم المهنيين المستقلين كالأطباء والمحامين والمهندسين والمديرين التقنيين كما تضم المثقفين والفنانين والادباء والكتاب وكذلك المشتغلين في البحث العلمي". لهذا فإن من الطبيعي لهذه الطبقة أن تفرز كل التيارات الفكرية والقوى السياسية المعاصرة في القرن العشرين من ديمقراطية وليبرالية واشتراكية وحتى فاشية ونازية.

يكفي أنها صانعة التغيير

منذ العقود الأخيرة للقرن العشرين وحتى العقد الأول من القرن الجديد اضطلعت الطبقة الوسطى في العالم بدور استهلاكي كبير حيث أشار "بنك التنمية الأسيوي" أن معدل الانفاق الاستهلاكي السنوي للطبقة المتوسطة في آسيا بلغ 4.3 تريليون دولار في العام 2008، ومن المتوقع ان يبلغ 32 تريليون دولار عام 2030.

كما بينت الدراسات أن 11% من سكان العالم ينتمون إلى هذه الطبقة، في حين يرى مراقبون أنها تزداد اتساعاً في الدول المتقدمة وأنها تختلف من دولة إلى أخرى حسب مستوى المعيشة، حيث تشكل هذه الطبقة -وفق ما ذكر "حمد اللحيدان" في صحيفة الرياض السعودية -تشكل في دولة كالسويد واليابان ما نسبته 90% من مجموع السكان في حين أنها تتراجع وتكاد تتلاشى في بعض الدول. ما يعني انها الطبقة المتحكمة بسير الاقتصاد العالمي.

أما في الوطن العربي فقد لعبت دوراً مهماً في تغيير البناء الاجتماعي في كثير من المراحل مثلها مثل سائر الدول عبر التاريخ، والتي يمكن عدها بؤرة التوتر وصانعة التغيير، فهي في الوطن العربي من الفئات الأقدر على الشعور بدونية الفئات الدنيا، كما هي الأكثر إلحاحاً لإجراء تغيير في الطبقة العليا. سواء كانت تغييرات لتحسين مستويات المعيشة في إطار جزئي إصلاحي كما في العهد العثماني عندما نشطت تلك الطبقة وارتفع صوتها في إطار الحركة الحزبية المطالبة بإصلاحات في الإدارة المركزية دون إخراج العثمانيين من البلاد، أو تغييرات جذرية تنسف الواقع ككل كما يجري اليوم في ثورات الربيع العربي لقناعتها أن الانظمة العربية ميتة تاريخياً وغير قابلة للإصلاح.

حيث أن حجم هذه الطبقة في الوطن العربي اليوم ملفت للنظر، إذ يقدر وفق دراسة أعدها "المعهد العربي للتخطيط" بنحو 79% من مجموع السكان، لكن يبقى دور هذه الفئة الكبيرة محدوداً جداً ولا يلائم هذه الضخامة. إذ اشارت هذه الدراسة إلى أن هذه النسبة بقيت ثابتة ولم تتغير منذ منتصف تسعينيات القرن الماضي. وإن الطبقة الوسطى في كل من هذه الدول "شكلت أكثر من نصف السكان، بمعنى أنها شكلت غالبية السكان".

فمنذ آواخر القرن التاسع عشر كان لهذه الطبقة دورها المحوري المشهود له حيث لعبت كما يقول "د.إسماعيل صبري عبدالله" دوراً مهماً في النضال السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي في مختلف الاقطار العربية في التصدي لقوات الاحتلال الاجنبي وفي جهود التحديث والسعي من أجل الديمقراطية وتطوير الثقافة الوطنية ، كما خرجت من صفوفها كل التيارات الفكرية والقوى السياسية المعاصرة من قومية وليبرالية وإسلامية واشتراكية، كذلك خرجت من صفوفها الدعوة إلى القومية العربية ودعت أقسام أخرى منها إلى هوية أخرى فرعونية أو فينيقية ، في حين نادت أقسام أخرى بالعودة الى اصول الإسلام.

 كما كانت ولازالت هذه الطبقة القاعدة الاجتماعية للعديد من الحركات والأحزاب السياسية، كذلك ساهمت في بناء القطاع الأهلي والمجتمع المدني من خلال آلاف الجمعيات الأهلية التي تصدت مبكراً لتحمل مسؤولية نشر التعليم الوطني والمحافظة على الصحة والدفاع عن قضايا المرأة وحقوق الانسان والتنمية والدفاع عن السلامة البيئية. كما شكلت النقابات المهنية وأصدرت الصحف وانخرطت في العمل في أجهزة الإعلام كالإذاعة والتليفزيون، كما تبنت قضايا التنوير ومعالجة قضايا الثقافة والتعليم بما يدعم قدرة الوطن العربي على التطور ومواكبة تحديات العصر.

أما اليوم وبالتحديد منذ سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي فهناك بوادر أزمة تلوح في الأفق وتكاد تعصف بالطبقة الوسطى، وتعود جميعها "إلى تطبيق مختلف الأقطار العربية لسياسات الانفتاح والتكيف الهيكلي"[1] بالإضافة إلى تخلي الدولة عن دورها في الدعم وارتفاع الأسعار وتوقف الاستثمار ما دفع إلى الانتفاضات الشعبية واضرابات الخبز احتجاجاً على هذه السياسات وتردي الأحوال المعيشية في مصر سنة 1977 وفي الجزائر سنة 1988 وفي تونس 1984 وفي المغرب والسودان 1981".

كما نجد أن الأزمة تستفحل اليوم أكثر من أي وقت مضى حتى لو أننا نعلم أن من قاد ثورات الربيع العربي هم من أبناء الطبقة الوسطى، حيث أن الأكثر فقراً في بلدان الربيع العربي لم يبادروا في التظاهر والاحتجاج، والذين قادوا مسيرة التغيير بل الكثير منهم متوسطي الحال.

وخروج الثورات العربية عن مسارها بحكم التدخلات الاجنبية، وتعميق البعد الطائفي للصراع وزج الجيوش العربية لقمع الاحتجاجات الشعبية وإنبات مظاهر للتطرف، بالإضافة إلى التحديات الداخلية المتمثلة في الأزمة الاقتصادية الاجتماعية المحتدمة وتداعياتها من بطالة وفقر وتهميش وتدهور أمني شامل مصحوباً بأزمة سياسية حادة، كل ذلك فضلاً عن حالات العنف من قتل وخطف والاغتيالات التي تطال المثقفين والنخبة من أبناء الطبقة الوسطى كل ذلك دفع لظهور موجة هجرة جديدة شبيهة لموجات الهجرة التي غزت القارة الاوروبية في القرون الماضية، وذاك لسبب وحيد هو لإبعاد من هم الأقدر والأجدر لبناء مجتمعاتهم خارجاً ولإبقاء البلاد أسيرة عنف لا ينتهي ، بعلم تام لِما للفئات المتوسطة من دور بارز في قيادة ثوراتهم و بناء مجتمعاتها.

______________________

[ ١ ] _ ﺩ . ﺇﺳﻤﺎﻋﻴﻞ ﺻﺒﺮﻯ ﻋﺒﺪ ﺍﻟﻠﻪ، ﺩﺭﺍﺳﺎﺕ ﻓﻰ ﺍﻟﺤﺮﻛﺔ ﺍﻟﺘﻘﺪﻣﻴﺔ ﺍﻟﻌﺮﺑﻴﺔ، ﺍﻟﺘﻨﻤﻴﺔ ﺍﻟﻤﺴﺘﻘﻠﺔ، ﻣﺮﻛﺰ ﺩﺭﺍﺳﺎﺕ ﺍﻟﻮﺣﺪﺓ ﺍﻟﻌﺮﺑﻴﺔ، ﺑﻴﺮﻭﺕ، ﺍﻟﻄﺒﻌﺔ ﺍﻷﻭﻟﻰ- ﻳﻮﻧﻴﻮ 1987.

تعليقات