كيف نفهم الهدوء الروسي حيال الانتهاكات الإسرائيلية في سورية؟

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

2019-02-17
الحياة

منذ بدء التدخل العسكري الروسي في سورية في أيلول (سبتمبر) 2015، عمدت إسرائيل إلى تعميق التنسيق الاستراتيجي مع روسيا في هذا الصدد بغية تسهيل أنشطتها العسكرية هناك؛ ومنها الضربات الجوية التي تشنها ضد أهداف عسكرية سورية أو إيرانية أو تابعة لحزب الله، علاوة على أعمال الاستطلاع والتجسس ومراقبة الداخل السوري باستخدام الطائرات من دون طيار، ومسابير التجسس الأرضية.

وبينما عبرت موسكو مراراً عن استيائها من الضربات العسكرية الإسرائيلية في سورية مطالبة الإسرائيليين بتقليصها، لوحظ أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قلص حدة نبرة الاحتجاج على تلك الهجمات بعدما تسببت إحداها أخيراً في تدمير طائرة روسية عسكرية وقتل 15 عسكرياً روسياً كانوا على متنها، مرجعاً هذا العدوان إلى «ظروف عرضية مأساوية»، واكتفي بحض الجانب الإسرائيلي على عدم تكراره، رافضا المقارنة بينه وبين حادث إسقاط القاذفة الروسية «سو24» من قبل الأتراك عام 2016.

لم يوجه بوتين اتهاماً مباشراً لإسرائيل بالضلوع في إسقاط الطائرة الروسية، بل إنه نفى قيام المقاتلات الإسرائيلية بإطلاق النار عليها، فيما لم يحل نشر روسيا منظومات «إس 300» الصاروخية المتطورة في سورية، دون مواصلة إسرائيل خروقاتها العسكرية.

كثيرة هي الاعتبارات التي تكبل روسيا في ما يخص القيام بأي رد فعل تصعيدي إزاء الانتهاكات الإسرائيلية. فإلى جانب تلاقي وجهات النظر بين الجانبين بشأن سورية والأسد عبر اتفاق إسرائيلي روسي على إبقاء نظام الأسد في المدى المنظور بما لا يعني إطلاق يد إيران في سورية، ويحول دون تمكين حزب الله وحيازته لسلاح استراتيجي، الأمر الذي يتيح تموضعاً عسكرياً روسياً طويل الأمد في سورية، كما يضمن لإسرائيل تأبيد احتلالها للجولان واستقرار الأوضاع على حدودها الشمالية.

ولعل هذا ما دفع وزير الخارجية الأميركي إلى اعتبار حادثة إسقاط الطائرة الروسية في سورية دعوة لمنع إيران من تهديد الاستقرار الإقليمي بمواصلتها نقل أسلحتها لحزب الله عبر سورية، وإيجاد حلول سياسية دائمة للنزاعات المتداخلة في المنطقة، ودرء خطر سوء الحسابات المأساوي في مسرح العمليات المزدحم في سورية، التي ينبغي تسوية أزمتها وفقاً لقرار مجلس الأمن رقم 2254.

ولما كان بوتين يراهن على إبقاء الباب موارباً لتقارب استراتيجي محسوب مع واشنطن في ظل إدارة ترامب، التي منحت إسرائيل الضوء الأخضر لمواصلة خروقاتها في سورية عقب الانسحاب الأميركي المرتقب من هناك، فإنه يعتبر إسرائيل متغيراً مهماً في العلاقات الأميركية الروسية، ويراها نقطة توازن محورية في تلك العلاقات وجسراً للتفاهم يحول بدوره دون تصعيد التوتر بين موسكو وواشنطن على أي جبهة.

وبينما لا يستبعد خبراء أن يكون الخطأ العسكري الذي أفضى إلى إسقاط الطائرة الروسية «إيل 20» متعمداً من قبل إسرائيل بإيعاز أميركي بغية توجيه رسائل محددة وقوية لموسكو، فإن إدراك بوتين لمغزي ومضامين تلك الرسائل، لن يزيده إلا تمسكاً بشعرة معاوية الإسرائيلية أملاً في استجداء تفاهم ممكن مع واشنطن، أو تلافي توسيع رقعة الخلاف والتوترمعها على الأقل. ومن بين وشائج عدة تربط إسرائيل وروسيا، يطل التنسيق العسكري المتبادل في سورية، والذي لا ينطوي فقط على تأمين موسكو الخروقات الإسرائيلية المتواصلة للأجواء السورية، وإنما يتضمن كذلك، استخدام الطيران الروسي أجواء شمال إسرائيل والجولان للإغارة على مواقع المعارضة السورية، بتنسيق مباشر بين الطيارين الروس والدفاعات الجوية الإسرائيلية.

وبينما يعيش في إسرائيل قرابة مليون مواطن من أصول روسية يرسخون أوجه التعاون الثقافي المتنوعة بين الجانبين، تدعم إسرائيل حروب روسيا ضد الشيشان ولا تضن عليها بخبراتها في مجال مكافحة الإرهاب «الإسلامي». ولا يزال التعاون بين البلدين متصلاً في مجال الفضاء والتكنولوجيا الدقيقة، إذ أطلقت إسرائيل أقماراً اصطناعية بمساعدة روسية، فيما لم تتأثر العلاقات التجارية المتنامية بين البلدين، بالعقوبات الأميركية والأوروبية على روسيا، والتي تتفنن إسرائيل في التحايل عليها وسط تجاهل غربي لافت.

وساعد نجاح تل أبيب في إبراء ذمتها من حادث إسقاط الطائرة الروسية في احتواء تداعيات الحادث، فقبيل توجه وفد إسرائيلي عسكري إلى موسكو لتوضيح ملابسات الحادث، عبر نتانياهو عن أسفه لوفاة الجنود الروس، وحمَّل سورية مسؤولية سقوط الطائرة، نافياً استخدام سرب مقاتلات «إف 16 «الإسرائيلية للطائرة الروسية كغطاء، ومؤكداً استهدافها عقب عودة المقاتلات إلى المجال الجوي الإسرائيلي.

وشدد نتانياهو على أهمية استمرار التنسيق الاستراتيجي بين إسرائيل وروسيا حول سورية، والذي نجح في تجنيبهما خسائر هائلة خلال السنوات الثلاث المنقضية. واكتسبت الرواية الإسرائيلية زخماً بمثول ضباط سوريين بكتيبة الدفاع الجوي في بانياس والذين أسقطوا الطائرة الروسية، أمام لجنة تحقيق بحضور ضابط روسي، سمحت لثلاثة منهم بالمغادرة فيما أبقت على اثنين، الأمر الذي يؤكد قناعة موسكو بوجود خطأ فني بشري من قبل الدفاعات الجوية السورية التي أطالت زمن المشاغلة لسرب المقاتلات الإسرائيلية ما مكَّنه من الفرار لتقع الطائرة الروسية ضحية.

ولا يبدو الرئيس بوتين مستعداً للتضحية بالمسرح السوري، الذي أتاح لبلاده اكتساب خبرات قتالية هائلة ساعدت في تطوير نظم تسليح جديدة، إذ أجرى الجيش الروسي خلال عملياته في سورية اختبارات على طائرات وصواريخ «كروز» جديدة، وغيرها من نظم التسليح التي تستخدم للمرة الأولى، والتي أكدت تفوقها على مثيلاتها الغربية، كصواريخ «سارمات» الثقيلة الباليستية العابرة للقارات، وطائرات «سو 57» القتالية، ومنظومة «إس 500» للدفاع الجوي، والدبابات من طراز «أرماتا»، فقد غضت موسكو الطرف عن مواصلة إسرائيل لخروقاتها في سورية على رغم حادثة الطائرة الروسية «إيل 20»، بينما آثرت منظومات «إس 300» التي نشرتها موسكو على الأراضي السورية، مباشرة نهج صمت القبور بدلاً من التحرك لحماية الحليف السوري أو المحافظة على الكبرياء العسكري الروسي.

وبينما تتعاظم حساسية قطاع واسع من السوريين حيال الوجود العسكري الروسي المكلف والمكثف وطويل الأمد في بلادهم، لاسيما وأنه لا يشكل رادعاً للانتهاكات الإسرائيلية المتواصلة لسيادة بلادهم والرامية إلى الإجهاز على مقدراتها الاستراتيجية وبنيتها العسكرية، تحت مظلة التنسيق العسكري بين موسكو وتل أبيب وتوافقهما الاستراتيجي بشأن تقليص نفوذ إيران وحزب الله في سورية، ربما لا تجد موسكو غضاضة في توسل شىء من التوازن في ما يتصل باستراتيجيتها حيال سورية والمنطقة، خصوصاً بعد الانسحاب الأميركي من شرق الفرات، عبر كبح جماح الصلف الإسرائيلي من خلال استبقاء الحد الأدنى من تفاهماتها الاستراتيجية مع طهران عموماً وحول سورية تحديداً، طالما ظلت إيران محتفظة بحضورها العسكري المكثف والفاعل على المسرح السوري.