كيف يستقيم الظل.. والأسد أعوج؟

صورة ياسر العيسى

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

12 - 3 - 2019
السورية نت
المؤلف: 

مما يروى عن فؤاد بلاط المدير الأسبق للتلفزيون السوري، أنه أجاب أعضاء مجلس الشعب المنتقدين لأداء التلفزيون، وسؤالهم: لماذا لا يكون أداء التلفزيون السوري مثل الـ"بي بي سي"؟ بالقول: عندما تصبحون مثل مجلس اللوردات البريطاني نكون مثل "بي بي سي"..!!

هذه القصة التي جرت في ثمانينيات القرن الماضي، تذكرنا اليوم بحال الكثير من السوريين، وعلى وجه الخصوص القسم المؤيد منهم للأسد، والذين بعد مضي خمسة عقود على سطوة النظام، وما نتج عنه من جرائم وفساد ومخالفات وتجاوزات، فيما عدا قتله مئات الآلاف من السوريين خلال سنوات مضت، ورغم ذلك، ما زالوا يستغربون ويستنكرون ما يحصل الآن في سوريا من فساد سرقات ومحسوبيات وتجاوزات وانتهاكات، ليتكلمون بلسان المطالب بإنهاء هذه الأمور ومكافحتها.

المشكلة ليست في هذه المطالب، المشكلة أن الأمل في تنفيذها معقود على الأسد ونظامه ذاته، أو أنها يمكن أن تتحقق في ظله، وهنا وجه الغرابة، فكما قالت العرب قديماً: "كيف يستقيم الظل والعود أعوج"؟

ما زال كثير من السوريين يتحدثون عن وجوب القضاء على الفساد، وتغيير المدير الفلاني، وردم حفرة الصرف الصحي الفلانية، ومن تجاوز منهم الحدود (كما يظن)، فإنه سيدعو إلى تبديل محافظ، وإقالة وزير، مع عدم نسيان المطالبة بأن يكون كل ذلك بيد الأسد، ورعايته وتوجيهاته.

يستجاب لهم أحياناً، عبر ردم هذه الحفرة، أو إصلاح ذلك العمود، وصولاً إلى إقالة محافظ، وربما وزير، ليشعروا بالنشوة والانتصار، قبل أن يصحوا على أن الواقع بقي على حاله، وربما زاد سوءاً، لكن تغيرت أدواته وأشخاصه، ليبدؤوا جلد وضرب وانتقاد الأدوات الجديدة، مطالبين من وضعها ووضع من سبقها، بتغييرها، على أمل تحسين الواقع والحال.

في واقع الأمر، إن حصل وكافح النظام بعض الفساد الظاهر، فإنه حقيقة لا ينفذ مكافحة للفساد، بقدر ما يجري عملية "تصفية حسابات"، و"حرق أوراق" و"إطاحة رؤوس" وربما "تقليم أظافر" بعض من انتهى دوره، وهذه الطريقة في المكافحة بحد ذاتها أسوأ أنواع الفساد.

أمل بعض السوريين بالقضاء على الفساد من خلال النظام، يشابه إلى حد كبير مطالب الإصلاح التي أطلقها المعارضون للأسد الابن بعد توليه السلطة، والتي لم يستجيب لها الأسد، ليس غباء طبعاً كما يعتقد البعض، بل لأنه ليس غبياً، ويعلم على قناعة بأن الإصلاح الحقيقي هو بداية النهاية لنظامه وسلطته.

مؤسف أن كثير من السوريين ما زالوا على قناعة بأن الفساد والظلم والقمع الذي يعاني منه مجتمعهم سببه أصحاب الفساد من مختلف المناصب الحكومية، وأنه لا يمكن القضاء على هؤلاء ومكافحتهم إلا عبر الزعيم أو الرئيس أو قادة ذات النظام الذي جاء بهم، بينما هم في الحقيقة (الفاسدون) ليسوا أكثر من شركاء ومنفذين لنهج وسياسة قادة هذا النظام، وبالتالي القضية ليست أكثر من تقاسم وظيفي وتبادل أدوار.

السوري الذي يطالب بأن يكون هذا القطاع أو ذاك من قطاعات الدولة أو خدمة من الخدمات السيئة في سوريا، أو غير ذلك، بما هو موجود في بلدان أخرى تحترم إنسانها ومواطنها، فإنها يتوجب عليه الاستيقاظ على حقيقة أنه لا يمكن تنفيذ مطالبه هذه، في ظل نظام استبدادي شمولي، قائم على المحسوبيات والفساد وإذلال مواطنيه، أي أنه يطالبه بالمستحيل، وبالتالي إما أن يرضى بكل مساوئ هذا النظام، "المقتنع بصحة قيادته للبلد" كما هو عليه دون تغيير جذري، ويصمت، أو أن يكون واقعياً في مطالبه، كيف ذلك؟

على السوري الذي ما زال على قناعة بأن الخير يمكن أن يأتي من نظام الأسد، أن يضع نصب عينيه بأنه لا يمكنه محاسبة فاسد أو شبيح أو مجرم في هذا البلد، من دون أن يحاسب الأسد ونظامه الذي مكنّه، ومنحه الحماية.

السوري الذي يطالب النظام بأن يكافح الفساد ويقضي عليه، لابد من أن يعلم بأنه يطالب النظام بالانتحار، لأنه من دون الفساد، لا يمكن أن تقوم لهذا النظام وأمثاله قائمة، وإن بقي على إصراره بهذه القناعة، فعليه أن يكون أكثر واقعية وعقلانية، وأن تكون مطالبه هي "التقنين" في الفساد، أو على الأقل، التخفيف منه والاعتدال في ممارسته.

تعليقات